الأردن: محمد الطّورة
- قراءة في التحولات التي يشهدها المجتمع الأردني، ولماذا أرى أن الإصلاح يبدأ من القيادة ويكتمل بالمؤسسات.
- رؤية مواطن أردني يقيم في الخارج حول التحديات الداخلية وآفاق الإصلاح.
هناك مشاعر لا يغيّرها البعد، ولا تضعفها السنوات، وفي مقدمتها الانتماء إلى الوطن. فكلما ابتعدت المسافات، ازداد ارتباط الإنسان بأخبار بلده، وأصبح يتابع تفاصيله اليومية بعين المحب الذي يفرح لإنجازاته ويقلق لكل ما يمس صورته ومكانته.
وبوصفي مواطنًا أردنيًا يقيم خارج الوطن، أتابع باهتمام كل ما يُنشر عن الأردن في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وخلال السنوات الأخيرة، استوقفتني أخبار تتكرر بين الحين والآخر عن سلوكيات وتصرفات لم نكن نألفها في مجتمعنا الأردني، أو على الأقل لم تكن بهذا الحضور الذي نشهده اليوم. فمن الاعتداء على المال العام، إلى جرائم القتل التي تهز الرأي العام، مرورًا بحالات التقصير في أداء الوظيفة العامة، وغيرها من الممارسات التي لا تنسجم مع منظومة القيم التي نشأنا عليها، أصبحت هذه الأخبار تثير القلق والأسى على وطن عُرف طويلًا بالأمن، واحترام القانون، والنزاهة، وحسن السمعة.
ولا أقصد بذلك أن هذه الظواهر تمثل المجتمع الأردني، فالأردن ما زال يزخر برجال ونساء يحملون أسمى القيم الوطنية والأخلاقية، لكن استمرار مثل هذه المظاهر يستدعي وقفة جادة، لأن الحفاظ على هوية المجتمع مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن الحفاظ على أمنه واستقراره.
ومن هنا وجدت نفسي أطرح سؤالًا يفرضه الواقع أكثر مما تفرضه السياسة: من يقود مرحلة التصحيح؟ وكيف يمكن استعادة الصورة التي عرف بها الأردن، دولةً ومجتمعًا، على مدى عقود؟
ومن وجهة نظري، فإن الإجابة تبدأ من القيادة. فالملك عبدالله الثاني يمتلك الرؤية والإرادة لقيادة مرحلة إصلاح حقيقية تعيد الاعتبار لقيم النزاهة وسيادة القانون والكفاءة. غير أن نجاح هذه الرؤية يبقى مرهونًا بقدرة المؤسسات على تنفيذها، وبمسؤولين يدركون أن خدمة الوطن تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن المنصب العام أمانة تُقاس نتائجها بما تقدمه للمواطن والدولة.
لقد أثبت الأردن في محطات كثيرة من تاريخه أنه قادر على تجاوز التحديات عندما تتكامل القيادة مع مؤسسات الدولة، وعندما تتوحد الإرادة الوطنية حول هدف واحد. واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى ترسيخ هذه الشراكة، حتى تتحول الرؤية الإصلاحية إلى واقع يلمسه المواطن في الإدارة، والاقتصاد، والخدمات، وسيادة القانون.
إن أملي، كأردني يعيش خارج وطنه ويحمل الأردن في قلبه أينما كان، أن أرى بلدي يستعيد الصورة التي عرف بها بين الأمم: دولة مؤسسات، ومجتمع قيم، ووطنًا يفاخر أبناؤه بالانتماء إليه. ولهذا، فإنني أرى أن الأمل معقود على قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، ليس لأن المسؤولية تقع على عاتقه وحده، بل لأنه يمثل نقطة الانطلاق لمشروع إصلاحي وطني تتشارك في إنجازه جميع مؤسسات الدولة، حفاظًا على الأردن ومستقبله، وصونًا للإرث الذي بناه الآباء والأجداد.

