لندن: محمد الطّورة
خلال متابعتي في الآونة الأخيرة لما تنشره بعض المواقع الإخبارية في وطننا العزيز، استوقفني تزايد بعض المواد التي تتخذ من مهاجمة عدد من المسؤولين، والعودة إلى مواقف أو قرارات سابقة، وإعادة نشر إعلانات وقرارات قديمة تتعلق بوزاراتهم، وسيلة لإثارة الجدل حولهم أو التأثير في صورة الرأي العام تجاههم.
ومن حق الإعلام أن ينتقد، ومن حقه أن يطرح الأسئلة ويكشف مواطن الخلل، لكن مسؤولية الكلمة تفرض أن يكون النقد في إطار المهنية والموضوعية، وأن تبقى المصلحة العامة هي البوصلة، بعيدًا عن الشخصنة وتصفية الحسابات.
ومن هنا وجدت أن من واجبي أن أطرح هذه المسألة من لندن على صفحات «العموم نيوز»، لا دفاعًا عن مسؤول ولا انتقاصًا من دور أي موقع إخباري، وإنما انطلاقًا من قناعة بأن للكلمة مسؤولية، وللإعلام رسالة، وللجهات الرسمية كذلك مسؤولية في أن تتعامل مع الإعلام بالعدل والإنصاف.
ومن هنا جاء هذا المقال بعنوان: «بين قدسية الكلمة ومسؤولية السلطة.. أين يقف الإعلام؟»
من البديهي أن يسأل المواطن: أين ذهبت رسالة الإعلام؟ وهل أصبحت بعض المواقع الإخبارية تنظر إلى الخبر باعتباره مجرد عنوان قابل للتفنن، أو وسيلة للضغط والمناكفة وتصفية الحسابات، بدل أن يكون أداة للتنوير ونقل الحقيقة وخدمة المواطن؟
وهل أصبحت بعض العناوين أهم من الخبر نفسه؟ وهل كل ما يُنشر يستحق فعلًا أن يكون خبرًا، أم أن هناك أخبارًا تخدم خصومات أصحابها أكثر مما تخدم المواطن الذي يفترض أن يكون هو المستهدف الأول من العمل الإعلامي؟
أسئلة كثيرة تفرض نفسها اليوم حول دور المواقع الإخبارية، وحول الحدود الفاصلة بين النقد المهني وتصفية الحسابات، وبين حرية الإعلام ومسؤولية الكلمة. فالإعلام ليس مجرد نشر لما يحدث، ولا صناعة للعناوين المثيرة، وإنما رسالة ومسؤولية، والسلطة في المقابل ليست فوق النقد، لكنها أيضًا تستحق أن تتعامل معها الصحافة بالإنصاف والموضوعية، بعيدًا عن التشخيص والاستهداف.
فمتى يصبح النقد إعلامًا مهنيًا يؤدي رسالته، ومتى يتحول الخبر إلى وسيلة للخصومة؟ وهل تستطيع المواقع الإخبارية أن تحافظ على قدسية الكلمة وهي تمارس حقها في النقد؟ وهل تستطيع الجهات الرسمية أن تتعامل مع النقد باعتباره جزءًا من المشهد العام، دون انتقائية أو تمييز بين موقع وآخر؟
ربما آن الأوان لأن نعيد طرح السؤال ببساطة ووضوح: هل نريد إعلامًا يخدم المواطن وينقل الحقيقة، أم إعلامًا ينشغل بالعناوين والخصومات؟ وهل نريد سلطة تحترم الإعلام المهني، أم علاقة تقوم على المناكفة والرد بالمثل؟
من هنا تبدأ الحكاية…
إن الأصل في الموقع الإخباري أن يكون منبرًا لتنوير الناس، ونقل الأخبار والمعلومات التي تهمهم، ووضع المواطن أمام صورة واضحة لما يجري من حوله، بعيدًا عن التضليل والتهويل والانتقائية. فالكلمة مسؤولية، والخبر أمانة، والعنوان ليس مجرد وسيلة لجذب القارئ، وإنما هو في كثير من الأحيان الانطباع الأول الذي يتشكل لدى الناس عن قضية أو شخص أو مؤسسة أو حتى عن وطن بأكمله.
ومن هنا، فإن التفنن في كتابة العناوين والمنشيتات ليس مشكلة في حد ذاته، بل يصبح مشكلة عندما يتحول العنوان إلى وسيلة للإثارة، أو عندما يكون أكبر من مضمون الخبر، أو عندما يُصاغ بطريقة توحي للقارئ بأمر لا تقوله الوقائع نفسها.
والأخطر من ذلك عندما تتحول بعض الأخبار إلى سلسلة متكررة من المواد التي تتناول أمورًا سطحية لا تمس حياة المواطن ولا تضيف إلى معرفته شيئًا، بينما تغيب عن المشهد قضايا أكثر أهمية وأولوية.
ليس المطلوب من الإعلام أن يبحث عن الأخبار الجميلة فقط، ولا أن يتجنب السلبيات أو مواطن الخلل. على العكس، من حق الصحافة أن تسأل، وأن تنتقد، وأن تكشف أوجه القصور، وأن تضع المسؤول أمام مسؤولياته. لكن الفرق كبير بين النقد الذي ينطلق من المصلحة العامة، وبين النقد الذي يبدو وكأنه يستهدف شخصًا بعينه أو مؤسسة بعينها بسبب خلاف سابق أو موقف لم يرق لصاحب الموقع.
وهنا تبرز مسألة في غاية الأهمية: هل أصبحت بعض المواقع تستخدم النشر لتصفية الحسابات؟
فقد يبدأ الأمر بطلب لم تتم الاستجابة له، أو معاملة لم تنجز بالطريقة التي يريدها صاحب الموقع، أو موقف لم يوافق هواه، ثم تتحول الخلافات الشخصية إلى أخبار وعناوين وتعليقات، وكأن المنصة الإعلامية أصبحت وسيلة للضغط على المسؤول، سواء كان وزيرًا أو مديرًا أو سفيرًا، بل وربما موظفًا في بداية السلم الوظيفي.
وهذا لا يسيء فقط إلى الطرف الذي يتعرض للنقد، وإنما يسيء قبل ذلك إلى المهنة نفسها.
فالصحافة التي تقوم على الانتقائية تفقد جزءًا من مصداقيتها، والموقع الذي يجعل من الخبر وسيلة لمعاقبة من لم يستجب لمطلب شخصي قد يخسر أهم ما يملكه: ثقة القارئ.
وفي المقابل، فإن الجهات الرسمية ليست بمنأى عن المسؤولية.
فالسلطة ليست فوق النقد، والمسؤول الذي يتولى منصبًا عامًا لا يمكن أن ينتظر من الإعلام أن يصفق له دائمًا. النقد الصحفي جزء طبيعي من الحياة العامة، والملاحظات التي تكشف الخلل يمكن أن تكون في أحيان كثيرة فرصة للتصحيح وتحسين الأداء.
لكن المطلوب في المقابل أن يكون النقد مسؤولًا ومنصفًا وموثقًا، وأن تتاح لمن يتعرض للنقد فرصة الرد والتوضيح، بدل أن تتحول المسألة إلى إصدار أحكام مسبقة أو حملات متواصلة لا تنتهي.
وكما أن على المواقع الإخبارية أن تلتزم بمهنة الصحافة الشريفة، فإن على الجهات الرسمية أن تتعامل مع الإعلام بالقدر نفسه من المهنية.
فليس من العدل أن يكون هناك موقع مقبول لأنه يمدح، وموقع آخر مرفوض لأنه ينتقد. وليس من الإنصاف أن تتعامل جهة رسمية مع موقع باعتباره شريكًا عندما يوافقها، ثم تعتبره خصمًا عندما يختلف معها.
العدل لا يتجزأ، والإنصاف لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بموقف الموقع من المسؤول.
كما أن الجهات الرقابية المختصة مطالبة بأن تؤدي دورها وفق القانون، وأن تتابع ما ينشر في مختلف المنصات الإعلامية، وأن تتعامل مع التجاوزات ــ إن وجدت ــ من خلال القانون والإجراءات الواضحة، بعيدًا عن الانتقائية أو ازدواجية المعايير.
فإذا كانت هناك مادة إعلامية تتجاوز القانون أو تسيء إلى سمعة الوطن أو تتضمن معلومات مضللة أو اتهامات بلا أساس، فإن الطريق الطبيعي هو القانون، لا المناكفة، ولا العقوبات غير المعلنة، ولا التعامل الانتقائي بين المواقع.
وفي الوقت نفسه، فإن حماية سمعة الوطن لا تعني إخفاء السلبيات أو منع النقد. الوطن لا يحميه الصمت عن الأخطاء، وإنما تحميه المعالجة المسؤولة لها، وكشف الخلل بهدف إصلاحه، وإبراز الإنجاز بهدف البناء عليه.
الإعلام الوطني المسؤول هو الذي يستطيع أن يقول للمواطن: هذا إنجاز يستحق الإشادة، وهذا خلل يستحق المعالجة، دون أن يتحول في الحالتين إلى أداة للدعاية أو التشهير.
وهنا يجب أن نتذكر أن سمعة الوطن في الخارج لا تتأثر فقط بما تقوله وسائل الإعلام الأجنبية، بل يمكن أن تتأثر أيضًا بالطريقة التي تقدم بها بعض منصاتنا المحلية أخبارها، خصوصًا عندما تكون العناوين صادمة أو مبالغًا فيها، أو عندما تُعرض الخلافات الداخلية وكأنها صورة دائمة عن واقع البلد بأكمله.
ليس المقصود أن نصمت عن الخطأ حفاظًا على الصورة الخارجية، فهذا ليس إعلامًا ولا مسؤولية، وإنما المطلوب أن يكون عرض الخطأ بحجمه الحقيقي، دون تضخيم أو تهويل أو تحويل الاستثناء إلى قاعدة.
وفي النهاية، لا بد أن تكون الرسالة واضحة للطرفين.
إلى أصحاب المواقع الإخبارية:
اتقوا الله في مهنتكم. تذكروا أن وراء كل خبر مسؤولية، وأن وراء كل عنوان أثرًا، وأن القارئ ليس مجرد رقم في عداد الزيارات. مارسوا النقد، ولكن قولوا كلمة الحق دون تزوير أو انتقائية. انتقدوا المسؤول عندما يخطئ، وأشيدوا به عندما ينجح. لا تجعلوا الخلاف الشخصي مادة إعلامية، ولا تجعلوا الموقع وسيلة للحصول على مطالب خاصة أو تصفية حسابات.
واجعلوا المواطن هو الهدف الأول، والمصلحة العامة هي البوصلة، والحقيقة هي المعيار.
وإلى بعض الجهات الرسمية:
خافوا الله في قراراتكم، وتوخوا العدل والإنصاف عند التعامل مع جميع المواقع الإخبارية. لا تعاقبوا موقعًا لأنه انتقد، ولا تكافئوا آخر لأنه جامل. لا تجعلوا العلاقة مع الإعلام قائمة على الرضا والغضب، وإنما على القانون والمهنية والاحترام المتبادل.
فالمسؤول الذي يقبل المديح فقط لن يعرف حقيقة ما يدور حوله، والموقع الذي لا ينشر إلا ما يرضي المسؤول لن يكون إعلامًا بالمعنى الحقيقي.
نحن بحاجة إلى إعلام يقول الحقيقة، وإدارة تسمع الحقيقة، وقانون يطبق على الجميع.
لا إعلام فوق المسؤولية، ولا سلطة فوق النقد، ولا قانون فوق الجميع.
وفي النهاية، فإن السؤال ليس: من انتصر في معركة موقع إخباري مع مسؤول؟
السؤال الحقيقي هو: من انتصر للمواطن؟
فإذا انتصر الإعلام للمهنية، وانتصرت الجهات الرسمية للعدل والإنصاف، انتصر الوطن.
أما إذا تحولت العلاقة بين الطرفين إلى مناكفات وحسابات شخصية، فإن الخاسر في النهاية ليس هذا الموقع أو ذلك المسؤول، وإنما المواطن وثقته بالإعلام وبالمؤسسات معًا.
وهنا تحديدًا تقف قدسية الكلمة أمام مسؤولية السلطة، ويصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
أين يقف الإعلام؟