الملك عبدالله الثاني وترامب.. السياسة ليست انفعالاً عابراً، بل فن الممكن وحساب المصالح
هناك صور لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأنها تختصر في تفاصيلها ما تعجز صفحات طويلة عن التعبير عنه. والصورة التي تجمع جلالة الملك عبدالله الثاني بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب عدد من قادة الدول، تفتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز الانطباعات السريعة والتفسيرات التي حاول البعض ترويجها عند اللقاء الأول بين الملك وترامب في البيت الأبيض مع بداية العهد الرئاسي.
فهل كانت تلك الأقلام تقرأ المشهد السياسي كما هو، أم كانت تبحث عن تأويلات سلبية تخدم تصوراتها المسبقة؟
السياسة ليست مسابقة في إطلاق الأحكام، ولا ميداناً لتصفية الحسابات عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. السياسة فن الممكن، وفن إدارة المصالح، وفهم طبيعة العلاقات بين الدول، وهي مساحة لا يدرك تعقيداتها كاملة إلا من يمارس العمل السياسي ويدرك أن ما يظهر أمام الكاميرات ليس بالضرورة كل ما يجري خلف الأبواب المغلقة.
العلاقات الأردنية الأمريكية.. أعمق من صورة عابرة
العلاقات الأردنية الأمريكية ليست وليدة لقاء واحد، ولا تتحدد بابتسامة أمام الكاميرات أو اختلاف في وجهات النظر حول ملف سياسي. إنها علاقات ممتدة منذ عقود، تقوم على مصالح مشتركة وتعاون في مجالات متعددة، مع وجود ملفات خلافية ومواقف متباينة، كما هو الحال في العلاقات الدولية.
ومن هنا، فإن قراءة أي لقاء أردني أمريكي بمعزل عن السياق التاريخي والاستراتيجي للعلاقة تقود إلى استنتاجات ناقصة.
الأردن، بقيادته الهاشمية، يتعامل مع السياسة الخارجية بمنطق الحفاظ على مصالح الدولة، وتعزيز مكانتها، والدفاع عن قضاياها الوطنية والعربية، مع إدراك طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية. وهذا لا يعني أن العلاقات بين الدول تخلو من الاختلاف، بل يعني أن إدارة الاختلاف جزء من العمل الدبلوماسي.
ومن الخطأ تحويل التواصل السياسي إلى تهمة، أو اعتبار اللقاء مع مسؤول دولي تنازلاً عن المواقف الوطنية.
الملك عبدالله الثاني.. حين يكون الحضور السياسي أهم من التأويلات
في الصورة، يجلس الملك عبدالله الثاني إلى جانب الرئيس ترامب، في مشهد يعكس استمرار التواصل السياسي بين الأردن والولايات المتحدة، وسط حضور قادة من المنطقة.
لكن القيمة الحقيقية لأي لقاء سياسي لا تُقاس بالصورة وحدها، وإنما بما تحمله من سياق، وما يرافقها من مواقف، وما تسعى إليه الدولة من حماية مصالحها وتحقيق أهدافها.
ومن هنا، فإن الذين حاولوا في بداية العهد الرئاسي لترامب تقديم اللقاء الأول في البيت الأبيض باعتباره مؤشراً سلبياً على الموقف الأردني، مطالبون اليوم بإعادة النظر في قراءتهم، لا لأن صورة واحدة تحسم كل الملفات، بل لأن العلاقات الدولية لا تُفهم من خلال لحظة منفردة، ولا تُقاس وفق انطباعات عاطفية أو حسابات سياسية ضيقة.
فالدولة التي تعرف مصالحها لا تقطع قنوات الحوار لمجرد وجود اختلاف، ولا تتخلى عن ثوابتها لأنها تجلس إلى طاولة واحدة مع طرف آخر.
خطاب الملك في الأمم المتحدة.. القضية الفلسطينية في صدارة الموقف الأردني
وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، يوم 22 سبتمبر/أيلول 2026، ركز الملك عبدالله الثاني على القضية الفلسطينية، وتناول التطورات في غزة والضفة الغربية، إلى جانب قضايا المنطقة والتحديات الدولية. وقد تناولت تقارير إعلامية خطابه بوصفه شديد التركيز على الأوضاع الفلسطينية والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وهنا تبرز نقطة تستحق التوقف عندها: التواصل السياسي مع الولايات المتحدة لا يلغي ثبات الموقف الأردني من القضية الفلسطينية، كما أن الاختلاف مع سياسات دولة كبرى لا يعني بالضرورة قطع العلاقات معها.
الأردن يطرح موقفه من القضية الفلسطينية عبر القنوات الدبلوماسية والمنابر الدولية، ويؤكد أهمية الحقوق الفلسطينية والحل العادل، في إطار مسؤولياته ومصالحه الوطنية والإقليمية.
وهذا هو جوهر العمل السياسي: أن تحافظ على موقفك، وأن تستخدم الأدوات المتاحة لك للدفاع عنه، وأن تدرك أن تحقيق الأهداف الوطنية يتطلب أحياناً حواراً مستمراً مع أطراف تختلف معها في بعض الملفات.
رسالة إلى من حاولوا الاصطياد في الماء العكر
إلى أولئك الذين سارعوا إلى تفسير اللقاء الأول بين الملك عبدالله الثاني وترامب بمنطق التشكيك، وإلى من حاولوا تحويل التواصل الأردني الأمريكي إلى مادة للمزايدات:
اقرأوا المشهد السياسي في سياقه، ولا تختزلوا علاقات الدول في صورة أو تصريح أو تعليق عابر.
الأردن ليس دولة تتحرك بلا حساب، ولا قيادة تتعامل مع الملفات الدولية بمنطق ردود الفعل اللحظية. والاختلاف في وجهات النظر، إن وجد، لا يلغي ضرورة الحوار، كما أن الحوار لا يعني التخلي عن الثوابت.
الموقف السياسي يُقرأ من مجمل الممارسة، لا من انتقائية التعليقات.
أما القضية الفلسطينية، فتظل حاضرة في الخطاب الأردني الرسمي، كما ظهر في كلمة الملك أمام الأمم المتحدة، التي ركزت على غزة والضفة الغربية وقضايا المنطقة. وهذا يؤكد أن الحضور في المحافل الدولية والتواصل مع القوى الكبرى يمكن أن يسيرا بالتوازي مع طرح المواقف الوطنية والعربية.
الخلاصة: الصورة لا تختصر السياسة.. لكنها تكشف استمرار الحوار
الصورة ليست دليلاً على حل جميع الخلافات، وليست وحدها معياراً للحكم على العلاقات الأردنية الأمريكية. لكنها تُظهر استمرار التواصل بين قيادات الدول، وهو عنصر أساسي في إدارة العلاقات الدولية.
أما الذين راهنوا على أن لقاءً واحداً سيقلب مسار العلاقة الأردنية الأمريكية، أو أنه سيُستخدم دليلاً على التخلي عن المواقف الوطنية، فعليهم أن يدركوا أن السياسة أكثر تعقيداً من تلك القراءات.
الملك عبدالله الثاني لا يحتاج إلى مزايدات من أحد، كما أن الدفاع عن الأردن لا يكون بتوزيع الاتهامات، بل بفهم طبيعة المرحلة، واحترام مؤسسات الدولة، وقراءة المواقف في سياقها الصحيح.
في السياسة، لا تكفي الكلمات العالية، ولا تنجح الأحكام السريعة في تفسير علاقات دول تشترك في مصالح وتختلف في قضايا.
ويبقى السؤال الأهم: هل نقرأ المشهد بعين الدولة ومصالحها، أم بعين الانفعال والتصيد؟
التاريخ السياسي للعلاقات الأردنية الأمريكية أطول من لقاء، والموقف الأردني من القضية الفلسطينية أكبر من صورة، والعمل الدبلوماسي أعمق من أن يُختزل في تأويلات عابرة.