عندما يصبح اللقب غاية: بين وهم المكانة وحقيقة القيمة
دولة، معالي،عطوفة،سعادة
كمواطن يراقب المشهد في الوطن من الخارج، لا أستطيع إخفاء ما أشعر به من انزعاج أمام ما أراه من تزاحم كثيرين على الألقاب والمسميات، وكأنها أصبحت الغاية لا الوسيلة، والمقصد لا الأثر. هذا التهافت اللافت دفعني في مقال سابق إلى طرح فكرة ساخرة، لكنها تحمل في طياتها رسالة عميقة، حيث ناشدت صاحب القرار بأن يُصدر توجيهاً يُمنح بموجبه كل مولود في الوطن لقب “معالي” منذ لحظة ولادته، لعلّنا بذلك نُفرغ هذا اللقب من بريقه المصطنع، فنشهد عزوفاً جماعياً عن السعي وراء المناصب بدافع الوجاهة، وعودةً إلى جوهرها الحقيقي القائم على الخدمة والمسؤولية.
في كثير من المجتمعات، لا يُقاس الإنسان بما يقدّمه من عمل أو بما يتركه من أثر، بل بما يُسبق اسمه من ألقاب رنانة مثل “معالي” و”عطوفة” و”سعادة”. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الألقاب من وسيلة للتعريف بالمناصب إلى غاية يسعى إليها البعض، حتى بات الحصول على اللقب عند بعض المواطنين أهم من تحقيق الإنجاز نفسه.
هذه الظاهرة تكشف خللاً عميقاً في منظومة القيم، حيث يتم استبدال الجوهر بالمظهر، والعمل الحقيقي بالبحث عن الاعتراف الشكلي. فاللقب، في أصله، لم يكن سوى انعكاس لمسؤولية أو تقدير لمكانة وظيفية، لكنه اليوم أصبح عند البعض وسيلة لإثبات الذات، أو ربما للتعويض عن غياب إنجاز فعلي.
إن السعي وراء الألقاب بهذا الشكل يخلق مجتمعاً يقدّس الشكل على حساب المضمون، ويمنح التقدير لمن يجيد التسلق الاجتماعي لا لمن يبدع أو يخدم. كما أنه يعمّق الفجوة بين المواطن العادي والمسؤول، ويجعل من التواصل الإنساني البسيط أمراً معقداً تحكمه الحواجز الرسمية والتصنيفات الطبقية.
وكم من أصحاب المناصب الذين كانوا يملؤون السمع والبصر، وتُفتح لهم الأبواب، وتُفرش لهم المجالس، لكن ما إن غادروا مواقعهم حتى غابوا عن الأذهان كما غابوا عن المشهد. تلاشت أسماؤهم مع زوال ألقابهم، وكأن حضورهم لم يكن إلا صدى للمنصب لا انعكاساً لشخصهم أو عطائهم. وهذا يكشف حقيقة مُرّة: أن من يستمد قيمته من اللقب فقط، يفقدها بزواله.
الأخطر من ذلك أن هذا الهوس بالألقاب قد ينعكس على الأداء العام، حيث يصبح الهدف هو الوصول إلى المنصب لا أداء واجباته، فتتراجع الكفاءة لصالح العلاقات، ويضعف الإحساس بالمسؤولية أمام بريق الامتيازات المرتبطة باللقب.
لكن المجتمعات التي تقدّمت لم تفعل ذلك عبر الألقاب، بل عبر العمل، والالتزام، وتكافؤ الفرص. هناك، لا يحتاج الإنسان إلى لقب ليثبت قيمته، لأن إنجازه يتحدث عنه، وأثره يُغني عن أي صفة إضافية.
إن إعادة الاعتبار للقيمة الحقيقية للإنسان تتطلب تغييراً ثقافياً يبدأ من التربية وينعكس في مؤسسات الدولة والإعلام. يجب أن نعلّم أبناءنا أن الاحترام يُكتسب بالفعل لا بالمسميات، وأن المكانة الحقيقية تُبنى بالصبر والعمل لا بالألقاب.
في النهاية، اللقب قد يرفع الاسم، لكنه لا يصنع إنساناً عظيماً. وحده العمل الصادق هو ما يمنح الإنسان مكانته التي لا تزول، حتى بعد أن تختفي كل الألقاب.

