لندن : محمد الطّورة
رمضان رسالة رحمة لا موسم استعراض… فهل نعي جوهره قبل أن ننشر صوره؟
خلال تصفحي لمواقع التواصل الاجتماعي في هذه الأيام المباركة، وقع نظري على العديد من المنشورات التي يحرص بعض الناس على نشرها، تتضمن صورهم وهم يجتمعون حول موائد الإفطار العامرة بما طاب ولذّ من أصناف الطعام؛ أطباق متعددة، وحلويات متنوعة، ومشروبات لا تُحصى. قد تبدو هذه المشاهد عادية أو باعثة على الفرح، لكنها تترك في القلب أثراً مختلفاً، إذ يتسلل الحزن والألم حين نتذكر أن في هذا الشهر الفضيل عائلاتٍ مستورة لا تجد ما تضعه على مائدتها، ولا تملك حتى كسرة خبز أو شربة ماء تفطر عليها بعد يوم طويل من الصيام.
ومن هنا يتجدد السؤال عن جوهر هذا الشهر الكريم. فر رمضان ليس موسماً للطعام، ولا مناسبةً للتفاخر، بل هو شهر الرحمة والمواساة، فرضه الله ليهذّب النفوس ويوقظ في القلوب الإحساس بالآخرين، ولا سيما أولئك الذين يعرفون الجوع واقعاً يومياً لا تجربةً عابرة. في رمضان يتساوى الناس أمام شعور العطش والجوع، ليشعر الغني بشيءٍ مما يعانيه الفقير طوال العام، ولتتعلم القلوب معنى العطاء الصادق.
غير أن نشر صور الموائد الفاخرة، وإن كان بدافع المشاركة أو توثيق اللحظات، قد يتحول دون قصد إلى جرحٍ لمشاعر من يحاولون أن يخفوا حاجتهم خلف صبرٍ وحياء. فبين صورةٍ تُعرض على الشاشات، وبيتٍ يخلو من أبسط مقومات الإفطار، تتسع الفجوة ويضيع المعنى الحقيقي للصيام. النعمة من الله، وشكرها واجب، لكن شكرها لا يكون باستعراضها، بل بحفظها وصون مشاعر من حُرموا منها.
إن القيمة الحقيقية لرمضان لا تُقاس بعدد الأصناف على المائدة، بل بعدد القلوب التي أُدخل عليها السرور، ولا تُختصر في وفرة الطعام، بل في وفرة الرحمة. ما أجمل أن تتحول صور الأطباق إلى صور أيادٍ تمتد بالعطاء، وأن يصبح التنافس في هذا الشهر تنافساً في الصدقة وكفالة المحتاجين، لا في تنوع الأطعمة.
حين ندرك أن رمضان رسالة أخلاق قبل أن يكون عادة اجتماعية، سنحرص أن تكون موائدنا جسوراً تصل إلى بيوت الفقراء، لا شاشاتٍ تذكرهم بحرمانهم. فليكن هذا الشهر موسم سترٍ ورحمة، ومناسبةً نراجع فيها نياتنا، فنقدّم مشاعر الناس على مظاهرنا، ونجعل من صيامنا طريقاً إلى قلوب المحتاجين قبل أن يكون امتناعاً عن الطعام والشراب. 🌙

