لندن: محمد الطورة
ضمن متابعاتي الشخصية اليومية والمتواصلة من لندن، وحرصي الدائم على متابعة كل ما يتعلق بوطني الحبيب الأردن عبر “العموم نيوز” استوقفتني اليوم بكل اهتمام وعمق المقالة المهمة التي كتبها الفريق أول المتقاعد الباشا حسين هزاع المجالي حول القضية الفلسطينية وانعكاساتها الخطيرة على الأردن.
ولعل ما يمنح هذا المقال أهمية استثنائية ليس فقط حساسية الموضوع الذي تناوله، بل المكانة الوطنية والسياسية والأمنية الرفيعة لكاتبه؛ فحين يتحدث رجل دولة بحجم الباشا المجالي ، الذي كان قريباً من مركز القرار الأردني لعقود طويلة، وشغل مواقع سيادية وأمنية حساسة، وكان شاهداً على محطات مفصلية في تاريخ الأردن والمنطقة، فإن كلماته لا تُقرأ بوصفها تحليلاً سياسياً عابراً، بل باعتبارها رسالة وطنية وتحذيراً صريحاً يستند إلى خبرة عميقة ومعرفة دقيقة بطبيعة التحديات التي تواجه الأردن والقضية الفلسطينية معاً.
لقد نجح المقال في وضع اليد على جوهر القلق الأردني الحقيقي؛ فالمسألة لم تعد مجرد تطورات سياسية تجري في الضفة الغربية أو غزة بعيداً عن الأردن، بل باتت ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الوطني الأردني واستقرار الدولة وهويتها السياسية والديمغرافية. وما يجري اليوم من تصاعد لمشاريع الضم والاستيطان، ومحاولات تفريغ الأرض الفلسطينية من أهلها، يعيد إلى الواجهة مخاوف تاريخية تتعلق بمحاولات فرض حلول على حساب الأردن، سواء عبر مشاريع التهجير أو ما يُعرف بمشاريع “الحل البديل” بأشكال مختلفة.
الأهمية الكبرى فيما طرحه الباشا حسين المجالي إبن شهيد الوطن هزاع المجالي، تكمن في أنه لم يتحدث بلغة الانفعال أو المبالغة، وإنما بلغة الدولة التي تدرك حجم التحولات الإقليمية الخطيرة. فالمقال يلفت الانتباه إلى أن الخطر لا يأتي دائماً عبر مواجهة عسكرية مباشرة، بل قد يتسلل بهدوء عبر إضعاف الجبهة الداخلية، وإثارة الانقسامات، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى عبء داخلي يهدد تماسك المجتمع الأردني نفسه. وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة القادمة، لأن استهداف استقرار الأردن من الداخل يحقق للآخرين ما عجزوا عن فرضه بالقوة.
كما أن المقال يعكس بوضوح حجم اليقظة التي تتعامل بها القيادة الهاشمية مع هذا الملف، انطلاقاً من ثوابت أردنية راسخة تقوم على رفض التهجير، ورفض أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، إلى جانب الحفاظ على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف.
لقد عكس المقال بوضوح إدراكاً حقيقياً بأن ما تتعرض له القضية الفلسطينية اليوم لم يعد شأناً فلسطينياً منفصلاً عن الأردن، بل بات يرتبط بصورة مباشرة بأمن الأردن الوطني واستقراره وهويته السياسية والديمغرافية. كما أضاء المقال على المخاطر المتنامية لمحاولات فرض حلول أو وقائع جديدة قد يكون الأردن أحد أكثر المتأثرين بها، سواء عبر مشاريع التهجير أو إعادة إنتاج ما يُعرف بمشاريع “الحل البديل” بأشكال مختلفة.
ومن هنا، فإن أهمية هذا الطرح تكمن في أنه يصدر عن شخصية تمتلك خبرة عميقة في فهم طبيعة الصراعات الإقليمية وكيفية تفكير الدولة الأردنية في قضايا الأمن الوطني، الأمر الذي يجعل من هذا المقال أشبه بدق ناقوس خطر يستوجب التوقف عنده بوعي ومسؤولية وطنية عالية.
وفي تقديري، فإن أخطر ما في المرحلة الحالية هو محاولة البعض التقليل من حجم التحديات أو التعامل معها وكأنها مجرد تحليلات سياسية عابرة، بينما الحقيقة أن المنطقة تعيش لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تتغير فيها الموازين والتحالفات بصورة متسارعة. ومن هنا، فإن ما طرحه الباشا حسين المجالي يجب أن يُقرأ بوعي ومسؤولية وطنية عالية، لأنه صادر عن شخصية عرفت الدولة من الداخل وزيراً ،وعينناً، ومديراً للأمن العام ،ومرافقاً للملك الحسين طيب الله ثراه والملك عبدالله الثاني أطال الله بعمره، وكان قريباً من دوائر القرار، ويدرك ومطلع جيداً كيف تُدار الصراعات وكيف تُصنع التحولات الكبرى في المنطقة.
الأردن اليوم بحاجة إلى أعلى درجات التماسك الوطني والوعي السياسي، لأن حماية القضية الفلسطينية لا تنفصل عن حماية الأردن نفسه، ولأن قوة الأردن الحقيقية لم تكن يوماً في حدوده فقط، بل في وحدة شعبه، وثبات موقفه، والتفافه حول قيادته الهاشمية في مواجهة كل المشاريع التي تستهدف الوطن والأمة.

