لندن: محمد الطّورة
سيادة القانون لا تكتمل إلا بتنفيذ الأحكام القضائية.. فاحترام القضاء واجب وليس خياراً
إن من أبرز مظاهر دولة القانون والمؤسسات، التي يقوم عليها النظام الدستوري الأردني، احترام أحكام القضاء والالتزام بتنفيذها، باعتبار أن القضاء هو الملاذ الذي يلجأ إليه الأفراد لاسترداد حقوقهم، والوسيلة القانونية التي تكفل تحقيق العدالة وصون الحقوق والحريات في مواجهة أي تجاوز أو تعسف أو امتناع عن تطبيق أحكام القانون.
وقد لفت انتباهي ما نشره الأستاذ المحامي راتب النوايسة على صفحته الشخصية، بشأن قيام أحد كبار المسؤولين في الدولة بتنفيذ حكم قضائي قطعي صادر عن المحكمة الإدارية العليا، وذلك بعد أن وجّه إليه رسالة مفتوحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مساء يوم الأربعاء، مطالباً بضرورة تنفيذ الحكم الذي ظل دون تنفيذ مدة زمنية ليست بالقصيرة، ليصار إلى تنفيذه صباح اليوم التالي، حيث تسلّم الأستاذ النوايسة كتاب التنفيذ مع بداية دوام ذلك اليوم.
وهنا، وبعيداً عن تفاصيل القضية وأطرافها، فإن هذه الواقعة تثير جملة من التساؤلات القانونية والإدارية التي تستحق الوقوف عندها، وفي مقدمتها: لماذا لم يتم تنفيذ الحكم القضائي القطعي منذ صدوره، ولماذا احتاج الأمر إلى مناشدة المسؤول عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى تتحرك الإدارة لتنفيذ حكم قضائي واجب النفاذ؟
فالأصل أن الإدارة العامة، بمختلف وزاراتها ومؤسساتها وهيئاتها ودوائرها، هي أول من يتعين عليه احترام القانون والالتزام بأحكام القضاء، لا أن تكون طرفاً في تعطيل تنفيذها أو المماطلة في إعمال آثارها القانونية.
إن الحكم القضائي القطعي ليس مجرد ورقة تصدر عن المحكمة، ولا توصية إدارية يجوز الأخذ بها أو تجاوزها، وإنما هو عنوان للحقيقة القضائية التي استقرت بحكم القانون، واكتسبت حجيتها، وأصبحت واجبة الاحترام والتنفيذ وفقاً للأصول القانونية المقررة. ومن ثم، فإن الإدارة لا تملك أن تجعل تنفيذ الأحكام القضائية رهناً بمزاج المسؤول أو تقديره الشخصي أو توقيت يختاره، ما دام الحكم قد استوفى شروط تنفيذه ولم يكن ثمة مانع قانوني معتبر يحول دون ذلك.
وقد قرر الدستور الأردني في المادة (27) أن السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، كما أن المادة (6) أكدت مبدأ المساواة أمام القانون. وهذه المبادئ الدستورية لا يمكن أن تحقق غاياتها بمجرد النص عليها، وإنما يتعين أن تنعكس على سلوك السلطات العامة وممارساتها، وفي مقدمة ذلك احترام الأحكام القضائية وتنفيذها.
أولاً: حجية الأحكام القضائية القطعية ووجوب تنفيذها
إن الأحكام القضائية القطعية ، ولا سيما الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا، تكتسب حجيتها القانونية وفقاً للتشريعات الناظمة للتقاضي الإداري، وتترتب عليها آثار قانونية يتعين على الإدارة المعنية احترامها وتنفيذ مقتضاها.
ولا يجوز للإدارة أن تتعامل مع الحكم القضائي باعتباره مجرد رأي قانوني قابل للأخذ والرد، أو أن تعيد مناقشة المسائل التي حسمها القضاء، أو أن تعطل آثاره بحجة الحاجة إلى مزيد من الدراسة أو المراجعة الداخلية، ما لم يكن هناك سند قانوني يبرر ذلك.
فإذا كان الحكم قد أصبح قطعياً وواجب التنفيذ، فإن مقتضى المشروعية يوجب على الجهة الإدارية المختصة المبادرة إلى تنفيذه، دون إبطاء أو مماطلة، وبما يتفق مع منطوقه والأسباب المرتبطة به.
ثانياً: أين تقف مسؤولية الدوائر القانونية في المؤسسات الحكومية؟
إن من المسائل التي تستوجب المراجعة والتقييم الدور الذي تضطلع به الدوائر القانونية في الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية، باعتبارها الجهة المهنية المختصة بتقديم المشورة القانونية للإدارة، وتنبيهها إلى الالتزامات المترتبة عليها بموجب التشريعات والأحكام القضائية.
فهل كان المسؤول المعني بتنفيذ الحكم على علم بصدوره واكتسابه الدرجة القطعية؟ وهل قامت الدائرة القانونية المختصة بإبلاغه بمضمونه وآثاره ووجوب تنفيذه؟ أم أن هناك قصوراً في إيصال المعلومة القانونية إلى صاحب القرار؟
وهنا نكون أمام احتمالين، لكل منهما دلالته الإدارية والقانونية:
فإذا كان المسؤول على علم بالحكم القطعي، ومع ذلك امتنع عن تنفيذه دون مسوغ قانوني، فإن ذلك يثير مسألة مدى مشروعية هذا الامتناع، ومدى قيام المسؤولية القانونية والإدارية المترتبة عليه، وفقاً للظروف والتشريعات ذات الصلة.
أما إذا لم يكن على علم بالحكم، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية حول كفاءة منظومة المتابعة القانونية والإدارية داخل المؤسسة، ومدى قيام الدائرة القانونية بواجبها في متابعة الدعاوى والأحكام القضائية وإبلاغ أصحاب الاختصاص بها.
وفي كلتا الحالتين، فإن الأمر يستدعي مراجعة آليات العمل الداخلي، ووضع إجراءات واضحة تضمن عدم ضياع الأحكام القضائية بين المراسلات الإدارية أو تأخر وصولها إلى أصحاب القرار.
ثالثاً: ثقافة التقاضي على حساب المال العام وحقوق المواطنين
ومن الممارسات التي تستحق الوقوف عندها، تلك التي قد تنشأ لدى بعض الإدارات القانونية، والمتمثلة في الاستمرار في الطعن بالأحكام أو استنفاد درجات التقاضي، ليس استناداً إلى أسباب قانونية جدية، وإنما خشية أن يُسجل على الموظف المختص أنه قصّر في أداء عمله إذا لم يسلك جميع طرق الطعن المتاحة.
وقد سمعت في هذا السياق من أحد العاملين في دائرة قانونية بإحدى الوزارات قولاً مفاده أنه يدرك أن الحق مع المواطن، وأن المطالبة تستند إلى أساس قانوني سليم، إلا أنه يرى أن واجبه الوظيفي يقتضي ترك الأمر للقضاء، ثم الطعن في الحكم إذا صدر ضد المؤسسة، حتى لا يُسجل عليه أنه قصّر في عمله.
وهذه العقلية، إن تحولت إلى نهج مؤسسي، فإنها تستوجب إعادة النظر في مفهوم المسؤولية الوظيفية ذاتها.
فليس من مقتضيات الوظيفة العامة أن يتحول التقاضي إلى غاية بحد ذاته، أو أن تصبح الإجراءات القضائية وسيلة لكسب الوقت وتأخير حصول أصحاب الحقوق على حقوقهم، وإنما الأصل أن تكون الدائرة القانونية شريكاً في حماية المشروعية وصيانة المال العام، وأن تقدم للإدارة الرأي القانوني الموضوعي الذي يميز بين الدعوى التي تستوجب الدفاع عنها لأسباب قانونية جدية، والدعوى التي تكون فيها حقوق المواطن ثابتة بموجب القانون.
إن اللجوء إلى طرق الطعن التي يجيزها القانون حق مقرر للجهات الإدارية، ولكن ممارسة هذا الحق ينبغي أن تقوم على أسباب موضوعية ومبررات قانونية، لا على اعتبارات شكلية تتعلق بتجنب المسؤولية الشخصية أو إلقاء تبعات القرار على القضاء.
كما أن استمرار الخصومة دون مبرر جدي قد يرتب أعباء مالية إضافية على الخزينة العامة، سواء من حيث الرسوم والنفقات وأتعاب المحاماة، أو من حيث الفوائد والتعويضات التي قد تترتب على التأخير متى توافرت شروطها القانونية، فضلاً عن الأثر السلبي الذي يتركه ذلك على ثقة المواطن بالمؤسسات العامة.
رابعاً: تنفيذ الأحكام القضائية مظهر من مظاهر سيادة القانون
إن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد وجود تشريعات تنظم الحقوق والواجبات، ولا بمجرد تمكين المواطن من اللجوء إلى القضاء، وإنما تكتمل عندما تجد الأحكام القضائية طريقها إلى التنفيذ الفعلي.
فما قيمة الحكم القضائي الذي يحصل عليه المواطن بعد سنوات من التقاضي، إذا بقي حبيس الأدراج، ولم يجد طريقه إلى التنفيذ إلا بعد توجيه المناشدات والرسائل المفتوحة ومخاطبة المسؤولين عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟
إن المواطن الذي يلجأ إلى القضاء لا يطلب امتيازاً من الإدارة، ولا يستجدي حقاً من المسؤول، وإنما يسلك الطريق الذي رسمه الدستور والقانون للحصول على حقه. وحين يصدر القضاء حكمه القطعي، فإن تنفيذ هذا الحكم لا ينبغي أن يكون محل مناشدة أو رجاء، بل التزاماً قانونياً أصيلاً يقع على عاتق الجهة الإدارية المختصة.
ومن هنا، فإن احترام الأحكام القضائية يجب أن يكون سلوكاً مؤسسياً مستقراً، لا استجابة مؤقتة لضغط إعلامي أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
خامساً: ما المطلوب من الوزراء ورؤساء المؤسسات والدوائر الحكومية؟
إن هذه الواقعة تقتضي من الوزراء ورؤساء الهيئات والمؤسسات العامة والمديرين العامين اتخاذ خطوات عملية لضمان احترام الأحكام القضائية، ومن أبرزها:
- التعميم على الدوائر القانونية بضرورة متابعة الأحكام القضائية الصادرة بحق المؤسسات، وإبلاغ أصحاب الصلاحية بها فور صدورها واكتسابها الدرجة القطعية.
- وضع سجل إلكتروني موحد لمتابعة الدعاوى والأحكام القضائية، يتضمن مواعيد صدورها ودرجاتها القضائية والإجراءات المطلوبة لتنفيذها.
- المبادرة إلى تنفيذ الأحكام القضائية القطعية فور استكمال متطلبات تنفيذها، وعدم تأخيرها دون مسوغ قانوني واضح.
- مساءلة الجهات المختصة إدارياً، عند ثبوت التقصير أو الإهمال أو الامتناع غير المبرر عن متابعة الأحكام وتنفيذها، وفقاً لأحكام التشريعات النافذة.
- ترشيد اللجوء إلى الطعن في الأحكام القضائية، بحيث يستند القرار بالطعن إلى أسباب قانونية جدية، لا إلى مجرد الرغبة في إطالة أمد الخصومة أو تفادي المسؤولية الوظيفية.
- تعزيز الدور الاستشاري للدوائر القانونية، بحيث تكون مرجعاً لحماية المشروعية وتقديم النصح القانوني السليم، وليس مجرد جهة تتولى إدارة الخصومات القضائية.
وأخيراً…
إن ما حدث في الواقعة التي أشار إليها الأستاذ المحامي راتب النوايسة، من تنفيذ الحكم القضائي صباح اليوم التالي لتوجيه رسالة مفتوحة إلى المسؤول المعني، يبعث على طرح سؤال جوهري يتجاوز حدود القضية ذاتها: هل أصبح الوصول إلى الحق الذي قرره القضاء يحتاج إلى مخاطبة المسؤولين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أم أن تنفيذ الأحكام القضائية يجب أن يكون إجراءً إدارياً تلقائياً لا يحتاج إلى تذكير أو مناشدة؟
إن احترام القضاء لا يقاس بعدد الأحكام التي تصدرها المحاكم، وإنما بمدى التزام السلطات العامة بتنفيذها واحترام آثارها القانونية. كما أن هيبة الدولة ومؤسساتها لا تنتقص عندما يُنفذ الحكم القضائي، بل تتعزز عندما يرى المواطن أن الإدارة تحتكم إلى القانون، وأن المسؤول يخضع لحكم القضاء كما يخضع له سائر المواطنين.
وعلى المسؤولين أن يدركوا أن الحكم القضائي القطعي ليس عبئاً على المؤسسة العامة، بل هو أداة من أدوات إرساء العدالة وتصويب العمل الإداري، وأن تنفيذ الأحكام القضائية ليس من قبيل التفضل على أصحاب الحقوق، وإنما هو واجب قانوني ومؤسسي لا يجوز التهاون فيه.
فسيادة القانون لا تتجزأ، واحترام القضاء لا يكون انتقائياً، وتنفيذ الأحكام القضائية ليس خياراً إدارياً، بل هو التزام تفرضه دولة المؤسسات والقانون.
حفظ الله الأردن أرضاً وشعباً وجيشاً وقيادةً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار في ظل سيادة القانون والعدالة.