لندن: محمد الطورة
في مقاله المعنون «من هو رئيس البرلمان القادم؟»، يطرح الكاتب الأردني حسين الرواشدة تساؤلاً يتجاوز حدود المنافسة على رئاسة مجلس النواب، ليفتح نقاشاً أوسع حول واقع الأداء البرلماني، ومآلات مشروع التحديث السياسي، وطبيعة القيادة المطلوبة لإعادة الاعتبار إلى المؤسسة التشريعية. وينطلق الرواشدة من قراءة نقدية لأداء المجلس خلال العامين الماضيين، معتبراً أن التجربة الحزبية لم تحقق التغيير المأمول، وأن تشتت الكتل وضعف التنسيق بينها أتاحا المجال أمام كتلة واحدة للهيمنة على جانب من المشهد النيابي.
وتكمن أهمية المقال في أنه لا يتعامل مع انتخاب الرئيس المقبل باعتباره استحقاقاً إجرائياً أو تنافساً على موقع قيادي فحسب، بل يربطه بسؤال جوهري: ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه البرلمان في مرحلة تتزايد فيها التحديات الداخلية والإقليمية؟ ومن هنا، يدعو الكاتب ضمناً إلى إعادة تنظيم العلاقات داخل المجلس، وبناء توافقات وطنية تعزز فاعليته وقدرته على تمثيل المجتمع وممارسة الرقابة على الحكومة.
غير أن القراءة النقدية للمقال تكشف أن المشكلة التي يشير إليها الرواشدة لا تتعلق بالأشخاص وحدهم، بل بطبيعة العمل البرلماني وآليات إنتاج القرار داخله. فوجود كتل حزبية لا يعني بالضرورة قيام حياة حزبية فاعلة، كما أن تعدد النواب والتيارات لا يضمن التوازن ما لم يصاحبه تنسيق سياسي وبرامج واضحة وقدرة على بناء التحالفات. وبذلك، فإن تغيير رئيس المجلس، مهما بلغت خبرته، لن يكون كافياً ما لم يقترن بتطوير قواعد العمل النيابي وتعزيز استقلالية الرقابة.
ويبرز في المقال مفهوم «المايسترو»، الذي يستخدمه الكاتب للدلالة على رئيس يمتلك الحكمة والخبرة السياسية والقدرة على إدارة الاختلاف وجمع الكتل حول المشتركات الوطنية. وهي صورة تعكس إدراكاً لأهمية القيادة في تنظيم العمل البرلماني، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالاً نقدياً: هل يستطيع الرئيس وحده إصلاح اختلالات المؤسسة، أم أن نجاحه يظل مشروطاً بوجود أحزاب متماسكة وقواعد مؤسسية تضمن المشاركة والتعددية والمساءلة؟
وتتضح أهمية هذا السؤال عند النظر إلى الملفات التي تنتظر المجلس، وفي مقدمتها الضمان الاجتماعي، وقانون الانتخاب، والموازنة العامة، والمشروعات الاقتصادية الكبرى. فهذه القضايا تحتاج إلى نقاش تشريعي جاد ورقابة تستند إلى المعلومات والمصلحة العامة، لا إلى المزايدات السياسية أو التوافقات الشكلية. كما أن الدعوة إلى توزيع مسؤولية الرقابة على مختلف الكتل ينبغي ألا تُفهم باعتبارها تقليصاً لدور المعارضة، بل توسيعاً للمساءلة مع الحفاظ على حق الاختلاف والنقد.
ومن هنا، فإن القيمة الأساسية في طرح الرواشدة تكمن في ربط اختيار رئيس المجلس بمستقبل الأداء البرلماني، لا بمجرد هوية الفائز. ومع ذلك، يبقى الانتقال من تشخيص الأزمة إلى تجاوزها بحاجة إلى معايير عملية لقياس التحسن، تشمل جودة التشريعات، وفاعلية الرقابة، وعدالة إدارة المجلس، وقدرته على التعبير عن مطالب المجتمع.
في المحصلة، يضع المقال القارئ أمام سؤال يتجاوز عنوانه المباشر: هل يشكل انتخاب رئيس مجلس النواب القادم مدخلاً لتغيير حقيقي في الأداء البرلماني، أم يقتصر على إعادة ترتيب التوازنات القائمة؟ فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس قدرة الرئيس على جمع الأصوات وتوحيد الكتل فحسب، بل قدرته على بناء مؤسسة أقوى من الأشخاص الذين يتولون قيادتها، وأكثر استقلالية وفاعلية في التشريع والرقابة وإدارة النقاش الوطني.