محطات من الحياة والعمل وتجارب لا تُنسى
*الأردن أسرة واحدة: يؤكد أبو مهند أن ما يجمع الأردنيين من روابط الأخوة والمواطنة أكبر من كل محاولات الفرقة والانقسام، وأن التلاحم الوطني هو أساس قوة الأردن في مواجهة المحن.
*من الزرقاء بدأت الحكاية: رحلة مهنية انطلقت من وزارة الداخلية الأردنية، مروراً بالاختيار للمشاركة في أول دورة جامعية لمرشحي كلية الشرطة الملكية، وصولاً إلى تجارب عمل شكّلت ملامح مسيرته.
*الإمارات وطن ثانٍ: سنوات من العمل والذكريات التي بقيت حاضرة في وجدانه، وما حملته من مواقف تقدير ومحبة وتجارب إنسانية ومهنية يعتز بها.
*سنوات في خدمة الأردن خارج الوطن: تجربة في السفارات الأردنية في لندن وواشنطن، والعمل في المراسم والبروتوكول، واللقاء بشخصيات رسمية ووطنية تركت بصمتها في ذاكرته.
*مواقف إنسانية لا تُنسى: ذكريات يرويها عن مواقف من أفراد العائلة الهاشمية، جسّدت بالنسبة إليه الاهتمام بالإنسان والتواضع والوفاء.
*الأميرة بسمة بنت طلال… قرب من القلب: لقاءات تركت في نفسه انطباعاً خاصاً عن تواضع سموها وقربها من الناس، وما يستحضره في شخصيتها من روح المغفور له الملك الحسين بن طلال.
*الأمير الحسن بن طلال… مدرسة في الفكر والخبرة: انطباع عميق عن شخصية فكرية واسعة التجربة، تكوّن من خلال لقاءات رسمية خلال زيارات سموه إلى لندن.
*الأهل والأصدقاء وجذور الوطن: يؤكد أبو مهند أن سنوات الغربة زادت من تعلقه بالأردن، وأن الزيارات المتكررة ولقاء العائلة والأصدقاء ظلت جزءاً أساسياً من حياته.
*الأستاذ نايف الطورة وبداية الطريق الإعلامي: علاقة القرابة والصداقة، والخبرة الصحفية والجرأة في الطرح، عوامل كان لها أثر مهم في تشجيعه على إطلاق «العموم نيوز».
*الإعلام مسؤولية قبل أن يكون خبراً: رؤية تقوم على التحقق من المعلومات، واحترام عقل القارئ، ومواجهة الشائعات، والتمسك بالمهنية والمصداقية.
*بداية جديدة بعد سنوات من العمل: من الخدمة الدبلوماسية إلى تأسيس موقع إعلامي، يخوض أبو مهند تجربة مختلفة يطمح من خلالها إلى توظيف خبراته في خدمة الوطن والقارئ.
*الشباب ومستقبل الأردن: رسالة إلى الأجيال الجديدة بأهمية العلم والعمل وتطوير المهارات، مع الإشارة إلى اهتمام سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بالشباب وطاقاتهم.
*طموحات لمستقبل «العموم نيوز»: أمل في تطوير المحتوى وتعزيز الثقة مع القراء، وتقديم إعلام مسؤول يقترب من قضايا المواطنين وتطلعاتهم.
مقدمة الحوار: الأردن أسرة واحدة في مواجهة المحن
في أوقات الشدائد، تتجلى معاني التلاحم الوطني، ويؤكد الأردنيون أن ما يجمعهم من روابط الأخوة والمواطنة والمصير المشترك أكبر من كل محاولات الفرقة والانقسام. وقد أعادت الجريمة المروعة التي شهدتها قرية حمود في محافظة الكرك، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا أبرياء، التأكيد على أهمية التمسك بقيم التعايش والتسامح واحترام حرمة الدم ودور العبادة.
وفي هذا السياق، يستضيف موقع «العموم نيوز» الأستاذ محمد الطورة، المعروف بـ«أبو مهند»، رئيس مجلس إدارة الموقع، في حوار يتناول موقفه من هذه الحادثة المؤلمة، ومحطات من حياته الشخصية والمهنية، وتجربته الطويلة في العمل خارج الأردن، وصولاً إلى تأسيس مشروعه الإعلامي.
وقد عكست مواقف جلالة الملك عبدالله الثاني، من خلال زيارته المصابين والاطمئنان على أحوالهم، وكذلك مواقف سمو ولي العهد وأفراد من العائلة الهاشمية في تقديم واجب العزاء، حرص القيادة على الوقوف إلى جانب المواطنين في أوقات المحن، وتعزيز قيم التضامن والمواساة.
ومن هنا، نبدأ حوارنا مع الأستاذ محمد الطورة.
أولاً: موقف من حادثة قرية حمود
السؤال: كيف تلقيتم خبر الجريمة التي شهدتها قرية حمود في محافظة الكرك، وما موقفكم مما حدث؟
أبو مهند:
أدين بأشد العبارات هذا العمل الجبان الذي أودى بحياة مواطنين أبرياء، وأتقدم بخالص مشاعر العزاء والمواساة إلى أسر الضحايا وذويهم، سائلاً الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل.
إن ما حدث يمسّنا جميعاً، ولا يمكن النظر إليه باعتباره مصاباً يخص منطقة أو عائلة بعينها؛ فالأردن أسرة واحدة، وما يؤلم أي مواطن أردني يؤلم أبناء الوطن جميعاً. وقد عبّر الأردنيون، من جلالة الملك إلى أبسط مواطن في هذا البلد، عن إدانتهم لهذا العمل ورفضهم لكل ما من شأنه المساس بأمن الوطن ووحدة أبنائه.
إن اختلاف الدين أو الأصل أو الانتماء لا ينتقص من حق أي إنسان في الأمن والكرامة، ولا يغيّر حقيقة أننا شركاء في هذا الوطن والمصير. وسيبقى الأردن أقوى بتماسك مجتمعه ووعي مواطنيه وتمسكهم بقيم المحبة والتسامح والعيش المشترك.
ثانياً: النشأة والبدايات
السؤال: بدايةً، نود أن تعرّف القراء بنفسك، وأن تحدثنا عن نشأتك والبدايات الأولى في حياتك العملية.
أبو مهند:
أنا محمد الطورة، المعروف بأبي مهند، من مواليد مدينة الزرقاء في الأردن عام 1958. بدأت حياتي العملية في وزارة الداخلية الأردنية، وكانت تلك المرحلة من المحطات المهمة التي أسهمت في تشكيل شخصيتي المهنية، وعززت لديّ الشعور بالمسؤولية والانضباط والالتزام.
وقد وقع عليّ الاختيار للمشاركة في أول دورة جامعية لمرشحي كلية الشرطة الملكية، وهي تجربة أعتز بها؛ لأنها جاءت في مرحلة مبكرة من حياتي، وفتحت أمامي آفاقاً جديدة للتعلم واكتساب الخبرة.
بعد ذلك، انتقلت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عملت في المكتب الخاص للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. وكانت هذه التجربة من المحطات التي تركت أثراً عميقاً في نفسي، لما حملته من خبرات عملية وإنسانية.
ثم عدت إلى الأردن لأداء خدمة العلم التي استمرت عامين، وبعد انتهائها رجعت إلى الإمارات، حيث واصلت مسيرتي العملية هناك حتى عام 1993.
لاحقاً، وبسبب ظروف عائلية، انتقلت إلى المملكة المتحدة، وبدأت مرحلة جديدة من حياتي المهنية في العمل الدبلوماسي، تنقلت خلالها بين السفارة الأردنية في لندن والسفارة الأردنية في واشنطن، قبل أن أعود مجدداً إلى لندن.
وقد انتهت خدمتي في السفارة الأردنية اعتباراً من الأول من تموز عام 2024، لتبدأ بعدها مرحلة مختلفة في حياتي، تمثلت في إطلاق موقع «العموم نيوز».
ثالثاً: الانتقال إلى الإعلام وتأسيس «العموم نيوز»
السؤال: بعد سنوات طويلة من العمل والخبرة، ما الذي دفعك إلى تأسيس موقع «العموم نيوز» بعد انتهاء خدمتك في السفارة الأردنية؟ وهل كان هناك شخص معين شجعك على المضي قدماً في هذه الخطوة؟
أبو مهند:
بعد سنوات طويلة من العمل في مجالات متعددة، شعرت بأن الوقت قد حان لخوض تجربة جديدة أستطيع من خلالها توظيف ما اكتسبته من خبرات في خدمة الوطن والمجتمع.
كان تأسيس «العموم نيوز» خطوة مختلفة عن طبيعة عملي السابق، لكنه جاء امتداداً لقناعتي بأهمية الإعلام ودوره في نقل المعلومات، ومناقشة القضايا التي تهم المواطنين، وتسليط الضوء على الموضوعات التي تستحق الاهتمام. وأردت أن تكون هذه التجربة مساحة للعمل الإعلامي المسؤول، تقوم على احترام عقل القارئ، والتحري عن المعلومات، والابتعاد عن الإثارة غير المبررة؛ فالإعلام ليس مجرد نشر للأخبار، بل مسؤولية تتطلب المهنية والموضوعية والإدراك العميق لأثر الكلمة في المجتمع.
ولا بد هنا من الإشارة إلى الدور المهم الذي أداه الأستاذ الصحفي والإعلامي القدير نايف الطورة في تشجيعي على المضي قدماً في هذه الخطوة. فقد كان لعلاقة القرابة والصداقة التي تجمعني به أثر كبير في قراري إصدار الموقع، لما يتمتع به من حضور إعلامي لافت، وأسلوب مقنع، وجرأة في الطرح، وقدرة على التعبير عن آرائه ومواقفه بوضوح وثقة. وقد لمست في مواقفه حرصاً على الأردن وغيرة على وطنه ونظامه، وهو ما عزز تقديري لرؤيته وخبرته الإعلامية.
كما أن الأستاذ نايف يمتلك خبرة واسعة في العمل الصحفي، اكتسبها من خلال عمله في عدد من الصحف، وفي مقدمتها صحيفة «البلاد» التي كان يملكها، والتي كانت خلال تسعينيات القرن الماضي من أبرز الصحف الأسبوعية في الأردن. وقد كان لهذه الخبرة، إلى جانب معرفته بالشأن الإعلامي وقدرته على الإقناع والطرح الجريء، أثر مهم في تشجيعي على خوض هذه التجربة وتحويل الفكرة إلى مشروع إعلامي على أرض الواقع.
وأؤمن بأن الخبرات التي يكتسبها الإنسان خلال سنوات عمله لا ينبغي أن تبقى محصورة في إطار تجربته الشخصية، بل يمكن توظيفها في خدمة الناس والوطن. ومن هذا المنطلق، أسعى إلى أن يقدم «العموم نيوز» محتوى إعلامياً مهنياً ومسؤولاً، وأن يبني علاقته بقرائه على الثقة والمصداقية، وأن يكون قريباً من قضاياهم وتطلعاتهم.
رابعاً: أصعب اللحظات في الحياة
السؤال: لكل إنسان محطة مؤلمة تبقى راسخة في ذاكرته. ما أصعب اللحظات التي مررت بها في حياتك؟
أبو مهند:
من أصعب اللحظات التي عشتها في حياتي لحظة سماعي خبر وفاة والدي، رحمه الله. فقد كان والدي بالنسبة إليّ قدوة ومثالاً أستمد منه الكثير من القيم والمبادئ، وكان لوجوده ومكانته أثر كبير في حياتي.
إن فقدان الأب ليس أمراً سهلاً؛ فهو فقدان للسند والمرجعية الإنسانية التي يعود إليها الإنسان في مراحل حياته المختلفة. ومهما تقدم الإنسان في العمر واكتسب من الخبرات، تبقى للأب مكانة خاصة لا يعوضها أحد.
رحم الله والدي وجميع الآباء والأمهات الذين تركوا في نفوس أبنائهم أثراً لا تمحوه السنوات.
خامساً: العائلة والأصدقاء وصلة الوطن
السؤال: رغم سنوات الغربة والعمل خارج الأردن، كيف حافظت على علاقتك بأهلك وأصدقائك؟
أبو مهند:
حرصت دائماً على أن تبقى علاقتي بأهلي وأصدقائي قائمة على التواصل والمحبة والوفاء. فالبعد الجغرافي قد يفرض ظروفاً معينة، لكنه لا ينبغي أن يكون سبباً في انقطاع العلاقات أو تراجع الاهتمام بالأشخاص الذين يشكلون جزءاً أساسياً من حياة الإنسان.
كنت أحرص على زيارة الأردن باستمرار، والالتقاء بأفراد العائلة والأقارب والأصدقاء، وقضاء الوقت معهم. وهذه الزيارات لم تكن بالنسبة إليّ مجرد رحلات عابرة، بل كانت فرصة لتجديد الروابط واستعادة أجواء القرب التي يحتاج إليها الإنسان مهما ابتعد.
وأشعر أن سنوات الغربة زادت من تعلقي بالأردن، وجعلتني أكثر إدراكاً لقيمة الأهل والأصدقاء والأماكن التي نشأت فيها. فكلما ابتعد الإنسان عن وطنه، أدرك أكثر ما يمثله الوطن في وجدانه، وما تمنحه العلاقات الصادقة من شعور بالاستقرار والانتماء.
سادساً: الإمارات… وطن ثانٍ وذكريات لا تُنسى
السؤال: عملت في دولة الإمارات العربية المتحدة لسنوات، وكانت لك تجربة قريبة من شخصيات إماراتية بارزة. ماذا بقي في ذاكرتك عن تلك المرحلة؟
أبو مهند:
الإمارات العربية المتحدة تحتل مكانة خاصة في نفسي، وأعتبرها وطني الثاني. فقد عشت فيها سنوات مهمة من حياتي، واكتسبت خلالها خبرات كثيرة، وتعرّفت إلى مجتمع كريم ترك في نفسي ذكريات طيبة.
ما زلت أذكر ما وجدته من محبة واحترام وتقدير من أبناء الإمارات، وما لمسته في تعاملهم من شهامة عربية وتواضع وكرم أصيل. كما أعتز باللقاءات التي جمعتني بأفراد من أسرتي آل نهيان وآل مكتوم، وهي لقاءات بقيت حاضرة في ذاكرتي بما حملته من مواقف إنسانية وأخلاقية.
لقد تعلّمت من تلك المرحلة أن المكانة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بالمناصب وحدها، بل بما يتحلى به من أخلاق، وبقدرته على احترام الآخرين والتعامل معهم بتواضع وإنسانية.
وأحمل للإمارات وأهلها كل المحبة والتقدير والامتنان، وأستذكر تلك السنوات باعتزاز؛ لأنها كانت جزءاً مهماً من مسيرتي الشخصية والمهنية.
سابعاً: سنوات العمل الدبلوماسي في لندن وواشنطن
السؤال: انتقلت بعد ذلك إلى العمل في السفارات الأردنية في لندن وواشنطن. كيف تصف هذه التجربة، وما أبرز ما اكتسبته منها؟
أبو مهند:
كانت سنوات عملي في السفارات الأردنية في لندن وواشنطن من المراحل الغنية بالتجارب والخبرات. وقد عملت في مجال المراسم والبروتوكول، وهو مجال يتطلب الدقة والانضباط وحسن التنظيم، إلى جانب القدرة على التعامل مع شخصيات مختلفة وفي مناسبات رسمية تتطلب مستوى عالياً من المهنية.
أتاحت لي طبيعة عملي الالتقاء بأعضاء من العائلة الهاشمية، إلى جانب مسؤولين حكوميين وأعضاء في مجلسي الأعيان والنواب، وشخصيات دينية وقضائية، وغيرهم من أصحاب المواقع العامة.
وقد علّمتني هذه التجربة أهمية التفاصيل في العمل الرسمي، وقيمة الالتزام بالمواعيد والإجراءات، وضرورة احترام الآخرين مهما اختلفت مواقعهم أو خلفياتهم. كما أكسبتني خبرة في التعامل مع الثقافات المختلفة، وفهماً أعمق لطبيعة العلاقات الرسمية والإنسانية التي تتداخل في العمل الدبلوماسي.
وأعتز بأنني أمضيت سنوات طويلة في خدمة بلدي من خلال عملي في السفارات الأردنية، وأسعى إلى أن تبقى هذه الخبرة جزءاً مفيداً من المرحلة الجديدة التي أخوضها في المجال الإعلامي.
ثامناً: مواقف إنسانية من لقاءات العائلة الهاشمية
السؤال: بحكم عملك في المراسم والبروتوكول، التقيت بعدد من أفراد العائلة الهاشمية. هل هناك مواقف إنسانية بقيت عالقة في ذاكرتك؟
أبو مهند:
هناك مواقف كثيرة لا تُنسى، لأن الإنسان قد ينسى تفاصيل بعض المناسبات، لكنه لا ينسى الموقف الإنساني الصادق، ولا ينسى من يسأل عنه في وقت صعب أو يحرص على الاطمئنان عليه.
ومن هذه المواقف ما يتعلق بسمو الأمير علي بن الحسين. ففي إحدى المرات، وبينما كنت أنتظر سموه بالقرب من درج الطائرة، تعرضت للسقوط. بادر سموه إلى الإسراع لمساعدتي، وأصر على ألا يغادر قبل أن يطمئن إلى أنني بخير، ثم واصل السؤال عن حالتي الصحية.
وكان لذلك أثر خاص في نفسي، ولا سيما أن سموه كان يعلم أنني كنت قد أكملت حديثاً العلاج الكيميائي بسبب إصابتي بمرض السرطان. لقد كان موقفاً إنسانياً أقدّره كثيراً، لأنه عكس اهتماماً حقيقياً بصحة الإنسان وسلامته.
كما أذكر بكل تقدير اهتمام سمو الأميرة منى الحسين، والدة جلالة الملك عبدالله الثاني، بالسؤال عني وعن أسرتي، وخصوصاً ولديّ التوأم اللذين يعانيان مرضاً نادراً. وكان سؤالها واهتمامها يحملان معنى إنسانياً عميقاً، ويتركان في النفس أثراً طيباً.
وأستذكر كذلك حرص سمو الأمير غازي بن محمد على السؤال عني والاطمئنان عليّ عندما أغيب، وهو ما يعكس اهتماماً شخصياً أعتز به.
ومن المواقف التي أقدّرها أيضاً إصرار سمو الأمير هاشم بن الحسين على أن أكون حاضراً خلال زيارته الأخيرة إلى لندن، ليودعني قبل أن أنهي أيام عملي في السفارة. لقد كان لذلك الموقف وقع خاص في نفسي، لأنه عبّر عن الوفاء والتقدير للعلاقة الإنسانية التي تتجاوز حدود العمل الرسمي.
هذه المواقف جميعها بقيت في ذاكرتي، وأراها من الجوانب المضيئة في سنوات عملي، لأنها تؤكد أن القيم الإنسانية الصادقة هي التي تترك الأثر الأعمق في حياة الناس.
تاسعاً: سمو الأمير الحسن بن طلال… الفكر والخبرة
السؤال: ماذا تقول عن سمو الأمير الحسن بن طلال، وما الانطباع الذي تركته لقاءاتك بسموه؟
أبو مهند:
كان تعاملي مع سمو الأمير الحسن بن طلال في إطار عملي الرسمي في استقبال سموه وتوديعه خلال زياراته إلى لندن. وعلى الرغم من أن هذه اللقاءات كانت مرتبطة بطبيعة عملي في المراسم والبروتوكول، فإن الانطباع الذي تركته في نفسي عن سموه كان عميقاً.
أرى أن القرب من سمو الأمير الحسن، والتعرّف إلى فكره ورؤيته، يمثل مدرسة في الفكر والمعرفة والخبرة. فهو صاحب فكر واسع وتجربة غنية واهتمامات تتجاوز حدود الموضوعات التقليدية، ويتميز بنظرته المتعمقة إلى القضايا وقدرته على الربط بين المعرفة والتجربة.
وأعتقد أن الشخصيات التي تمتلك هذا القدر من الفكر والخبرة تترك أثراً حتى في اللقاءات الرسمية المحدودة، لأن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد اللقاءات فحسب، بل بما يحمله من علم ورؤية وما يتركه من انطباع لدى الآخرين.
عاشراً: سمو الأميرة بسمة بنت طلال… قرب من القلب وتواضع أصيل
السؤال: وماذا عن سمو الأميرة بسمة بنت طلال؟ كيف تصف انطباعك عنها والمواقف التي جمعتك بها؟
أبو مهند:
سمو الأميرة بسمة بنت طلال لها مكانة خاصة في نفسي، فكلما التقيت بها شعرت بأنني أرى روح المغفور له، بإذن الله، الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، في قربها من الناس وتواضعها وأسلوبها الإنساني في التعامل.
إنها أميرة قريبة من القلب، تتمتع بتواضع لافت، فعندما تلتقي بها للمرة الأولى تشعر وكأنك تعرفها منذ سنوات طويلة. وهذا الانطباع يترك في النفس أثراً طيباً، لأن البساطة والتواضع والقدرة على التواصل الصادق مع الآخرين صفات يقدّرها الإنسان ويعتز بها.
وأستذكر هذه اللقاءات بكل محبة وتقدير، وأرى أن مثل هذه المواقف الإنسانية تبقى من أجمل الذكريات التي يحملها الإنسان معه من سنوات عمله، لأنها تتجاوز حدود اللقاء الرسمي لتترك أثراً شخصياً جميلاً في الذاكرة.
الحادي عشر: ماذا علمتك سنوات العمل والاغتراب؟
السؤال: بعد هذه السنوات الطويلة بين الأردن والإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة، ما أبرز الدروس التي خرجت بها من تجاربك؟
أبو مهند:
علّمتني التجارب أن الإنسان يظل في حالة تعلم مستمر، وأن كل مرحلة من مراحل الحياة تمنحه معرفة جديدة إذا كان مستعداً للاستفادة مما يمر به.
تعلمت أهمية احترام الناس، والوفاء بالعلاقات، والالتزام بالمسؤولية، وعدم الحكم على الآخرين من خلال مواقعهم أو مظاهرهم. كما تعلمت أن التواضع لا يقلل من قيمة الإنسان، بل يزيده احتراماً في نظر الآخرين.
ومن خلال العمل مع شخصيات ومجتمعات مختلفة، أدركت أن هناك قيماً إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود والثقافات، وأن الاحترام المتبادل وحسن التعامل قادران على بناء علاقات متينة مهما اختلفت الخلفيات.
أما الغربة، فقد علمتني قيمة الوطن والأهل والأصدقاء. فالإنسان قد ينجح في عمله ويكتسب خبرات كثيرة، لكنه يبقى بحاجة إلى جذوره وعلاقاته الإنسانية التي تمنحه الشعور بالانتماء والاستقرار.
الثاني عشر: الرؤية التي يقوم عليها «العموم نيوز»
السؤال: ما الفكرة الأساسية التي أردت أن يقوم عليها موقع «العموم نيوز»، وما الرسالة التي تسعى إلى إيصالها من خلاله؟
أبو مهند:
أردت أن يكون «العموم نيوز» مشروعاً إعلامياً يعبّر عن اهتمامي بالشأن العام، ويتيح مساحة لتناول القضايا التي تهم المواطن الأردني والعربي، ومتابعة الأحداث والتطورات، وتسليط الضوء على الموضوعات التي تستحق النقاش.
ومن وجهة نظري، فإن الإعلام الناجح هو الذي يوازن بين سرعة نقل الخبر والدقة في التحقق منه، ويمنح القارئ معلومات واضحة تساعده على تكوين رأيه، بعيداً عن المبالغة أو التضليل.
كما أطمح إلى أن يكون الموقع قريباً من الناس، وأن يهتم بقضاياهم واحتياجاتهم، وأن يتيح المجال للأفكار والمبادرات التي يمكن أن تسهم في خدمة المجتمع.
وأدرك أن بناء مؤسسة إعلامية ذات حضور ومصداقية يحتاج إلى وقت وجهد وعمل متواصل، وأن الثقة لا تُكتسب بالكلام، بل بالممارسة اليومية والالتزام بالمعايير المهنية.
الثالث عشر: الإعلام المسؤول ومواجهة الشائعات
السؤال: في ظل الانتشار الواسع للإعلام الإلكتروني وسرعة تداول المعلومات، كيف تنظر إلى مسؤولية المواقع الإخبارية في مواجهة الشائعات والأخبار المضللة؟
أبو مهند:
أعتقد أن المسؤولية الملقاة على الإعلام الإلكتروني أصبحت كبيرة جداً، لأن الخبر ينتشر اليوم خلال دقائق، وقد يصل إلى أعداد هائلة من الناس قبل أن تتاح الفرصة للتحقق من صحته.
ومن هنا، فإن على أي مؤسسة إعلامية أن تتعامل مع المعلومة بجدية ومسؤولية، وأن تتأكد من مصادرها قبل نشرها، وأن تميز بوضوح بين الخبر والرأي، وألا تجعل من السبق الصحفي مبرراً للتسرع أو نشر معلومات غير مؤكدة.
كما أن مواجهة الشائعات لا تتحقق بمجرد نفيها، بل تحتاج إلى تقديم المعلومات الصحيحة بوضوح، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وتصحيح الأخطاء عندما تقع.
وأؤمن بأن مصداقية المؤسسة الإعلامية هي رأس مالها الحقيقي. وقد يتابع الناس خبراً بسبب أهميته أو غرابته، لكن استمرارهم في الثقة بالموقع يرتبط بمدى التزامه بالدقة والموضوعية واحترام عقل القارئ.
الرابع عشر: بداية جديدة بعد انتهاء الخدمة
السؤال: كيف تنظر إلى تأسيس «العموم نيوز» بعد انتهاء خدمتك في السفارة الأردنية؟ وهل تعتبر هذه المرحلة امتداداً لما سبق أم بداية مختلفة؟
أبو مهند:
أعتبرها بداية جديدة ومختلفة، وإن كانت تستند إلى الخبرات التي اكتسبتها خلال سنوات العمل السابقة.
لكل مرحلة من مراحل الحياة طبيعتها ومتطلباتها. فالعمل الدبلوماسي له قواعده ومسؤولياته، والعمل الإعلامي له تحدياته وأدواته، لكن هناك مبادئ تظل ثابتة في الحالتين، مثل الالتزام والمسؤولية واحترام الآخرين والحرص على أداء العمل بأفضل صورة ممكنة.
لقد منحتني هذه الخطوة فرصة لتجربة مجال جديد، ولتوظيف ما تعلمته في مسار مختلف. وهي تجربة تتطلب الصبر والمثابرة والاستعداد المستمر للتعلم والتطوير.
وأتعامل مع هذه المرحلة باعتبارها فرصة للعمل والعطاء، وأسعى إلى أن يكون ما أقدمه من خلالها مفيداً للناس والوطن.
الخامس عشر: بين الطموحات والواقع
السؤال: بعد إطلاق الموقع، هل جاءت النتائج كما كنت تأمل وتتوقع، أم أن الواقع كان مختلفاً عن طموحاتك؟
أبو مهند:
أفضّل عدم الخوض في تفاصيل هذه المرحلة في الوقت الحالي، لكن يمكنني القول إن الأمور لم تسر كما كنت آمل وأتوقع.
ومع ذلك، فإن أي تجربة جديدة تحمل معها تحدياتها الخاصة، ولا يمكن الحكم على مسارها من خلال مرحلة واحدة فقط. فالمهم هو الاستفادة من التجربة، ومراجعة ما يحتاج إلى تطوير، والعمل على تحسين الأداء في المرحلة المقبلة.
ما زلت أتطلع إلى أن يحقق «العموم نيوز» أهدافه وأن يقترب أكثر من الرؤية التي انطلق من أجلها، وأتمنى أن تكون المرحلة القادمة أفضل وأكثر قدرة على تلبية الطموحات.
السادس عشر: رسالة إلى الشباب الأردني واهتمام سمو ولي العهد بهم
السؤال: ما الرسالة التي توجهونها إلى الشباب الأردني؟ وكيف تنظرون إلى الاهتمام الذي يوليه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، للشباب ودورهم في بناء مستقبل الأردن؟
أبو مهند:
الشباب هم ركيزة المستقبل، وأي مجتمع يريد أن يتقدم لا بد أن يستثمر في طاقات شبابه، وأن يمنحهم الفرصة للتعلم والعمل والإبداع والمشاركة في صنع القرار.
وأرى أن اهتمام سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بالشباب الأردني وتسليط الضوء على طاقاتهم ومبادراتهم يعكسان أهمية دورهم في مسيرة التحديث والتطوير. فالشباب بحاجة إلى من يستمع إلى أفكارهم، ويثق بقدراتهم، ويوفر لهم الفرص التي تساعدهم على تحويل طموحاتهم إلى إنجازات حقيقية.
أما رسالتي للشباب، فهي أن يحرصوا على التعليم واكتساب المهارات، وأن يطوروا أنفسهم باستمرار، وأن يستفيدوا من التكنولوجيا واللغات والفرص المتاحة أمامهم. فالعالم يتغير بسرعة، والنجاح يحتاج إلى معرفة ومثابرة وقدرة على التكيف مع المتغيرات.
وفي الوقت نفسه، أدعوهم إلى التمسك بقيمهم وأخلاقهم وهويتهم الوطنية، وإلى إدراك أن النجاح لا يتحقق بالانتظار، بل بالعمل والاجتهاد وتحمل المسؤولية.
لا تجعلوا الصعوبات سبباً للتراجع، بل حافزاً للتعلم والمحاولة من جديد. فالأوطان تتقدم بسواعد أبنائها وبناتها، وبقدرتهم على تحويل الأفكار إلى مبادرات، والطموحات إلى إنجازات.
السابع عشر: طموحات «العموم نيوز» في المرحلة المقبلة
السؤال: ما أبرز طموحاتك لموقع «العموم نيوز» خلال المرحلة المقبلة؟
محمد الطورة – أبو مهند:
أتطلع إلى أن يواصل الموقع التطور من حيث المحتوى والأداء والحضور الإعلامي، وأن يتمكن من بناء علاقة متينة مع قرائه تقوم على الثقة والمصداقية.
وأطمح إلى أن يتناول الموقع القضايا الوطنية والمجتمعية بموضوعية، وأن يفتح المجال أمام الأفكار والمبادرات التي تستحق الاهتمام، وأن يكون قريباً من هموم المواطنين وتطلعاتهم.
كما أن التطور التقني يفرض على المؤسسات الإعلامية أن تراجع أدواتها باستمرار، وأن تستفيد من الوسائل الحديثة في الوصول إلى الجمهور، مع الحفاظ على جوهر العمل الصحفي القائم على الدقة والتحقق والمسؤولية.
وأدرك أن هذه الطموحات تحتاج إلى عمل جاد وخطة واضحة وفريق يؤمن بالرسالة الإعلامية. وأتمنى أن يتمكن «العموم نيوز» من ترسيخ مكانته وأن يقدم محتوى يحترم القارئ ويضيف قيمة حقيقية إلى المشهد الإعلامي.
الثامن عشر: كلمة أخيرة
السؤال: في ختام هذا الحوار، ما الكلمة التي تود توجيهها إلى قراء «العموم نيوز» وإلى أبناء الأردن عموماً؟
أبو مهند:
أود أن أعبّر عن تقديري لكل من يمنحنا ثقته ويتابع ما نقدمه، وأن أؤكد أن مسؤولية الإعلام كبيرة، وأن احترام القارئ يظل الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه أي تجربة إعلامية جادة.
كما أتمنى للأردن وشعبه دوام الأمن والاستقرار، وأن تبقى وحدتنا الوطنية مصدر قوة لنا جميعاً. لقد علمتنا التجارب أن الأوطان لا تُبنى إلا بتكاتف أبنائها، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سبباً للفرقة، بل فرصة للتفاهم والتعاون في إطار الاحترام المتبادل.
وأتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى أسر ضحايا حادثة قرية حمود، وأؤكد أن الأردن سيبقى، بإذن الله، وطناً يجمع أبناءه، وأن التمسك بقيم المحبة والتسامح والعيش المشترك هو الطريق الذي يحفظ مجتمعنا ويصون مستقبل أجياله.
أما على المستوى الشخصي، فأستقبل هذه المرحلة الجديدة من حياتي بروح من الأمل والتطلع إلى الأفضل، وأسأل الله التوفيق في كل ما من شأنه أن يخدم الأردن وأبناءه.
كلمة «العموم نيوز»:
يتقدم موقع «العموم نيوز» بالشكر والتقدير للأستاذ محمد الطّورة (أبو مهند)، رئيس مجلس إدارة الموقع، على هذا الحوار الذي استعرض محطات من حياته الشخصية والمهنية، وتجارب امتدت بين الأردن والإمارات والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وصولاً إلى خوض تجربته الإعلامية الجديدة.
ونتمنى له التوفيق في مسيرته المقبلة، وأن يواصل «العموم نيوز» أداء رسالته الإعلامية بمهنية ومسؤولية، بما يخدم القارئ والوطن.