لندن: كتب محمد الطّورة
لم يعد تأثير الدول في العالم يُقاس بما تمتلكه من مساحة أو تعداد سكاني أو ثروات طبيعية، بل بما تمتلكه من رؤية استراتيجية، وما تستطيع أن تقدمه للبشرية من أفكار وكفاءات ومبادرات تصنع الفارق في الحاضر والمستقبل. ومن هذا المنطلق، يأتي ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، بوصفه خطوة تحمل دلالات تتجاوز حدود التنافس على منصب دولي رفيع، لتفتح الباب أمام قراءة أوسع لمكانة الإمارات، ولدور الدول العربية في المؤسسات الدولية، ولمفهوم القوة في عالم يتغير باستمرار.
إن ترشيح شخصية عربية، تنتمي إلى دولة عربية، لتولي قيادة أكبر منظمة دولية معنية بالسلم والأمن والتعاون بين الأمم، ليس مجرد استحقاق دبلوماسي أو إجراء ضمن عملية اختيار أممية، بل هو تعبير عن طموح يتجاوز الحدود الوطنية إلى فضاء المسؤولية الدولية. وهو، في الوقت نفسه، مناسبة للتأمل في الكيفية التي استطاعت بها دولة الإمارات أن تنتقل من موقع الحضور المؤثر إلى موقع المبادرة والمشاركة في تشكيل مستقبل النظام الدولي.
من قوة المال إلى قوة الإنسان
على مدى عقود، رسخت الإمارات حضورها العالمي من خلال المساعدات الإنسانية والإنمائية، والمساهمات المالية، والمبادرات التي استهدفت دعم الاستقرار والتنمية وتحسين حياة الشعوب في مناطق مختلفة من العالم. وقد شكل هذا الدور أحد أوجه سياستها الخارجية، التي سعت إلى الجمع بين المصالح الوطنية والمساهمة في معالجة التحديات الإنسانية والاقتصادية.
لكن التجربة الإماراتية لا تقف عند حدود ما تقدمه الدولة من موارد مالية، مهما بلغت أهميتها. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في القدرة على تقديم الدعم، بل أيضاً في القدرة على إنتاج الأفكار، وبناء المؤسسات، وتأهيل الكفاءات، وتقديم شخصيات قادرة على المشاركة في إدارة الملفات الدولية المعقدة.
وهنا تبرز أهمية ترشيح لانا نسيبة؛ إذ تنتقل المساهمة الإماراتية من تقديم الموارد إلى تقديم الخبرات البشرية والدبلوماسية، ومن دعم جهود التنمية والاستقرار إلى السعي للمشاركة في قيادة المؤسسة الدولية التي تتصدر أجندتها قضايا السلام والأمن والتنمية والتعاون بين الدول.
إنها صورة أخرى من صور الاستثمار في الإنسان، حيث لا تكون الكفاءة الوطنية مجرد أداة لخدمة الداخل، بل جسراً يصل تجربة الدولة بالعالم، ويسهم في نقل خبراتها إلى ساحات العمل الدولي.
الدول لا تُقاس بحجمها.. بل برؤية قادتها
لعل أبرز ما تكشفه التجربة الإماراتية هو أن حجم الدولة الجغرافي أو الديمغرافي ليس قدراً يحدد سقف طموحها، ولا حاجزاً يمنعها من الوصول إلى مواقع التأثير العالمي. فالدول الصغيرة أو المتوسطة تستطيع أن تكون حاضرة بقوة في المشهد الدولي عندما تمتلك قيادة بعيدة النظر، ومؤسسات فاعلة، واستراتيجية واضحة، واستثماراً مستداماً في الإنسان والمعرفة والدبلوماسية.
وهذا ما يعكسه المسار الذي انتهجته الإمارات خلال السنوات الماضية، في ظل قيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، الذي ارتبطت رؤيته بتعزيز مكانة الإمارات الدولية، وتنويع أدوات حضورها، وتوسيع شبكة علاقاتها وشراكاتها، والاستثمار في بناء نموذج تنموي يجمع بين الطموح الاقتصادي والانفتاح على العالم.
فالمكانة الدولية لا تُمنح للدول لمجرد امتلاكها الثروة، بل تُبنى عبر قرارات استراتيجية متراكمة، وقدرة على استشراف المستقبل، ومؤسسات قادرة على تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة. والثروة، مهما عظمت، تظل مورداً قابلاً للاستنزاف إذا لم تسندها رؤية؛ أما الرؤية الحكيمة، فإنها قادرة على تحويل الموارد إلى قوة مستدامة، وتحويل الكفاءات إلى نفوذ، وتحويل الطموحات إلى حضور يتجاوز الحدود.
ومن هنا، يمكن قراءة الترشيح الإماراتي باعتباره امتداداً لمنهج يقوم على توسيع أدوات التأثير، بحيث لا تقتصر على الاقتصاد والاستثمار والمساعدات، وإنما تشمل أيضاً الدبلوماسية، والوساطة، والمشاركة في صياغة الأجندات الدولية، وتقديم الكفاءات القادرة على تولي المسؤوليات الكبرى.
ترشيح يحمل دلالة عربية
بالنسبة إلى الدول العربية، يحمل هذا الترشيح أهمية تتجاوز التجربة الإماراتية ذاتها. فالمنطقة العربية ليست هامشاً في التاريخ أو السياسة أو الحضارة، ولا ينقصها العنصر البشري القادر على الإبداع والقيادة. لكنها تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى توسيع حضورها الفاعل في المؤسسات الدولية، وإلى تحويل ما تمتلكه من طاقات وخبرات إلى مشاركة مؤثرة في صناعة القرارات التي تمس حاضر شعوبها ومستقبلها.
إن وصول شخصية عربية إلى موقع الأمين العام للأمم المتحدة، إذا ما أفضت عملية الاختيار إلى ذلك، سيكون حدثاً ذا قيمة رمزية وسياسية كبيرة، لما يمثله المنصب من مسؤولية عن إدارة الأمانة العامة للمنظمة، والعمل مع الدول الأعضاء في مواجهة أزمات السلم والأمن والتنمية والتحديات العابرة للحدود.
لكن الأهمية لا تكمن في الهوية العربية وحدها، بل في القدرة على تقديم مرشح يمتلك الكفاءة والخبرة والاستقلالية اللازمة لقيادة مؤسسة دولية تعمل في بيئة شديدة التعقيد، تتباين فيها المصالح وتتعارض أحياناً مواقف القوى الكبرى.
ومن هذه الزاوية، فإن ترشيح لانا نسيبة يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول ضرورة تعزيز التمثيل العربي في مواقع القيادة الدولية، ليس على أساس الاستحقاق الجغرافي وحده، وإنما من خلال المنافسة بالكفاءة والخبرة والقدرة على بناء التوافقات.
كما يبعث برسالة مفادها أن الدول العربية تستطيع أن تكون شريكاً في صياغة الحلول الدولية، لا مجرد طرف يتأثر بنتائجها، وأن الاستثمار في الدبلوماسية والكفاءات الوطنية يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة أمام حضورها العالمي.
لانا نسيبة.. رصيد دبلوماسي في اختبار دولي كبير
لا يستند هذا الترشيح إلى الرمزية الوطنية وحدها؛ فمسيرة لانا نسيبة الدبلوماسية، ولا سيما عملها مندوبة دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، تمنح الترشيح أساساً مهنياً يستحق التقييم.
فقد أتاحت لها سنوات العمل داخل المنظمة الاطلاع عن قرب على آليات اتخاذ القرار، وطبيعة التفاعلات بين الدول الأعضاء، والتحديات التي تواجه الدبلوماسية متعددة الأطراف. كما ارتبط عملها بملفات السلام والأمن والعمل الإنساني والتنمية المستدامة، إلى جانب مشاركتها في مناقشات إصلاح المؤسسات الدولية.
وهذه الخبرة مهمة في وقت تتعرض فيه الأمم المتحدة لاختبارات صعبة، من استمرار النزاعات المسلحة إلى تراجع الثقة في قدرة المؤسسات الدولية على فرض احترام القانون الدولي، مروراً بالتنافس بين القوى الكبرى، والأزمات الإنسانية، وتحديات المناخ والتنمية.
إن قيادة الأمم المتحدة لا تحتاج إلى شخصية تمتلك الخبرة الإدارية والدبلوماسية فحسب، بل إلى شخصية تستطيع الاستماع إلى الأطراف المتعارضة، وبناء الجسور بينها، والحفاظ على مصداقية المنظمة، والدفاع عن مبادئ ميثاقها في بيئة لا تكون فيها موازين القوة متكافئة دائماً.
ومن ثم، فإن جدية الترشيح تُقاس بما يقدمه صاحبه من خبرة ورؤية وقدرة على إدارة التوازنات الدولية، فيما يبقى القرار النهائي خاضعاً للإجراءات الأممية ومواقف الدول الأعضاء.
الإمارات.. الحضور في العالم والمشاركة في صناعة مستقبله
ما يلفت الانتباه في التجربة الإماراتية ليس تعدد مجالات حضورها فحسب، بل تنوع الأدوات التي تستخدمها لتعزيز ذلك الحضور. فهناك الاقتصاد والاستثمار، والمساعدات الإنسانية، والشراكات الدولية، والعمل الدبلوماسي، والاستثمار في الكفاءات الوطنية. وهذه الأدوات، حين تعمل ضمن رؤية متكاملة، تمنح الدولة قدرة أكبر على بناء العلاقات والتأثير في القضايا التي تتجاوز حدودها.
لقد أدركت الإمارات أن المكانة الدولية لا تُصنع بقرار واحد، ولا تُختصر في حجم المساعدات أو قيمة الاستثمارات، وإنما تتشكل عبر تراكم الثقة، ووضوح التوجه، والقدرة على المبادرة، وتقديم مساهمات عملية في الملفات التي تشغل المجتمع الدولي.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى ترشيح لانا نسيبة باعتباره خطوة منفصلة عن مسار الدولة، بل باعتباره تعبيراً عن توجه أوسع نحو توظيف الخبرة الوطنية في خدمة الأهداف الدولية، وتوسيع نطاق المشاركة الإماراتية في المؤسسات التي تؤثر قراراتها في مستقبل العالم.
فالدولة التي تستثمر في تعليم أبنائها وتأهيل دبلوماسييها وخبرائها، وتمنحهم فرصاً لتولي المسؤوليات، تستطيع أن تحول رأس مالها البشري إلى أحد أهم مصادر قوتها. وهذه القوة لا تقل أهمية عن الاقتصاد أو الموارد الطبيعية؛ بل قد تكون أكثر استدامة وتأثيراً على المدى البعيد.
ما وراء المنصب: رؤية لدور الإمارات في العالم
من الخطأ اختزال أهمية الترشيح في فرص الفوز بالمنصب وحدها. فالمشاركة في عملية اختيار الأمين العام للأمم المتحدة، بحد ذاتها، تتيح طرح رؤية الدولة، وتقديم خبراتها، وتعزيز الحوار حول مستقبل المنظمة، ودور القيادة الدولية في مواجهة التحديات المتزايدة.
ومع ذلك، فإن بلوغ المنصب يظل أمراً مختلفاً، تحكمه اعتبارات دولية وإجراءات مؤسسية، ولا يمكن اعتباره نتيجة مضمونة للترشيح. فالأمم المتحدة ليست مؤسسة وطنية، والأمين العام، بموجب ميثاقها، يتولى منصبه بناء على توصية مجلس الأمن وتعيين الجمعية العامة.
لكن القيمة الأوسع لهذه الخطوة تكمن في الرسالة التي تحملها: أن الإمارات ترى في كفاءاتها الوطنية مورداً يمكن أن يخدم العالم، وأن حضورها الدولي لا يقتصر على تقديم المساعدات أو بناء الشراكات، بل يمتد إلى المشاركة في تحمل المسؤولية عن القضايا المشتركة للبشرية.
وهذه الرؤية، إذا ما اقترنت باستمرار الاستثمار في الإنسان والمؤسسات وتعزيز الثقة الدولية، يمكن أن تجعل من الكفاءات الوطنية إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة.
خاتمة: حين تتجاوز الرؤية حدود الجغرافيا
في نهاية المطاف، فإن ترشيح لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة يضع أمامنا حقيقة تستحق التأمل: الدول لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بما تستطيع أن تصنعه بما تملكه؛ ولا تتحدد مكانتها بحجمها، بل بقدرتها على تحويل رؤيتها إلى إنجاز، وكفاءاتها إلى قيمة، وحضورها إلى مساهمة في مستقبل العالم.
وهذا هو جوهر الرسالة التي يمكن استخلاصها من التجربة الإماراتية. فالمساعدات المالية والإنسانية تعكس قدرة الدولة على العطاء، فيما يعكس تقديم الكفاءات للمسؤوليات الدولية طموحها إلى توسيع هذا العطاء ليشمل المعرفة والخبرة والمشاركة في صناعة القرار.
وبقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تسعى الإمارات إلى ترسيخ مكانتها دولةً فاعلة في محيطها الإقليمي وعلى الساحة الدولية، مستندة إلى رؤية تعتبر أن التنمية لا تنفصل عن الانفتاح، وأن القوة لا تكتمل من دون مسؤولية، وأن الاستثمار في الإنسان هو أحد أكثر الاستثمارات قدرة على صناعة المستقبل.
إن ترشيح شخصية إماراتية وعربية لهذا المنصب الرفيع لا يمثل الإمارات وحدها، بل يفتح أيضاً نافذة للأمل أمام الطموح العربي إلى حضور أكثر تأثيراً في مؤسسات العالم.
فالدول التي تصنع الفارق ليست بالضرورة الأكبر مساحة أو الأكثر سكاناً، بل تلك التي تمتلك قيادة تعرف أين تريد أن تصل، ورؤية تعرف كيف توظف مواردها، وإرادة تؤمن بأن دورها في العالم لا ينتهي عند حدود ما تستطيع أن تقدمه، بل يمتد إلى ما تستطيع أن تسهم في صنعه.
وتلك، في جوهرها، هي الحكاية التي تجعل من الترشيح الإماراتي أكثر من مجرد منافسة على منصب دولي؛ إنه تعبير عن رؤية لدولة تريد أن تكون حاضرة في خدمة العالم، لا بمواردها وإمكاناتها فحسب، بل أيضاً بعقول أبنائها وكفاءاتهم وقدرتهم على المشاركة في رسم ملامح المستقبل.
الكاتب: موظف سابق في الدائرة الخاصة للمغفور له بإذن الله سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه