لندن: محمد الطّورة
إلى متى تبقى الحكومات رهينة التكهنات؟ أعتقد آن الأوان لمراجعة النهج لا لتكرار المشهد!
ليس مصدر انزعاجي ما قرأته هذا الصباح من حديث عن تعديل وزاري محتمل، أو إعادة هيكلة مؤسسات حكومية، أو مراجعة أولويات العمل العام، ولا هو اعتراض على حق الكاتب أو المحلل في قراءة المشهد السياسي وتقديم تقديراته. فهذه أمور مشروعة في الحياة العامة، ومن حق الإعلام أن يسأل، ومن حق المحللين أن يجتهدوا، ومن حق المواطنين أن يعرفوا إلى أين تتجه الأمور. لكن ما أصابني بالغثيان الحقيقي هو أنني شعرت بأنني أقرأ نصاً سبق أن قرأته عشرات المرات، لا قبل أيام أو أشهر، بل على امتداد ما يقارب ثلاثة عقود!
فما إن تمضي فترة على تشكيل حكومة جديدة، حتى تبدأ الأحاديث عن تعديل وزاري مرتقب، وتغيير في مواقع المسؤولية، وإعادة ترتيب للأولويات، وربما مراجعة للسياسات والبرامج. وتتوالى التحليلات والتوقعات، وتتعدد الأسماء والسيناريوهات، ويجد القارئ نفسه أمام المشهد ذاته، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة، وكأننا لم نتعلم من تجارب السنوات الماضية شيئاً.
وهنا لا بد أن نطرح السؤال الذي أراه أكثر أهمية من أسماء الوزراء الذين قد يغادرون أو يدخلون، ومن الشخصيات التي قد تتقدم أو تتراجع في سباق المناصب: لماذا لا نعيد النظر في النهج والآليات التي تحكم تشكيل الحكومات واستمرارها وتقييم أدائها، بدلاً من أن نبقى أسرى التكهنات المتكررة بشأن مصيرها؟
الاستقرار الحكومي ليس امتيازاً للحكومة، بل مصلحة للدولة
إن الحكومات ليست مجرد أسماء تتصدر المشهد، وليست مواقع يتنافس عليها الأشخاص، وإنما هي مؤسسات تنفيذية يفترض أن تعمل وفق برامج واضحة، وأهداف محددة، وجداول زمنية قابلة للقياس والمساءلة. ومن الطبيعي أن تتفاوت قدرات الوزراء، وأن تتباين مستويات أدائهم، وأن تستدعي بعض الظروف إجراء تغييرات أو تعديلات. فلا أحد يطالب بإبقاء مسؤول في موقعه إذا ثبت عجزه، ولا أحد يدعو إلى تحصين الحكومات من المراجعة والمحاسبة.
لكن ما نحتاج إليه حقاً هو الانتقال من منطق التغيير المتكرر الذي تفرضه التكهنات والقراءات السياسية إلى منطق الاستقرار المؤسسي الذي تحكمه معايير الأداء والنتائج.
فهل من مصلحة الدولة أن تبقى المؤسسات والوزارات في حالة ترقب دائم؟ وهل من المنطقي أن تنشغل الأوساط السياسية والإعلامية، بعد مدة من تشكيل أي حكومة، بالسؤال عن موعد رحيلها أو تعديلها، بدلاً من الانشغال بما حققته من أهداف وما أخفقت في إنجازه؟
إن الوزير الذي يتولى مسؤولية قطاع حيوي يحتاج إلى وقت كافٍ لفهم تفاصيله، ووضع خططه، وتشكيل فريق عمله، ومتابعة التنفيذ، ثم تقديم نتائج يمكن الحكم عليها. وعندما يصبح الحديث عن التغيير حاضراً قبل أن تتضح نتائج العمل، فإن ذلك قد ينعكس على ثقة المسؤولين باستمرارية قراراتهم، وعلى جرأة الإدارة في اتخاذ المبادرات، وعلى قدرة المؤسسات على تنفيذ برامج طويلة الأجل.
والأخطر أن تتحول الوظيفة العامة إلى حالة انتظار، وأن يصبح بعض المسؤولين أكثر انشغالاً بقراءة ما يُكتب عن مستقبلهم من انشغالهم بقراءة مؤشرات الأداء في مؤسساتهم.
أين البرنامج الحكومي الذي يُحاسَب عليه الجميع؟
إن السؤال الجوهري ليس ما إذا كان التعديل الوزاري واسعاً أم محدوداً، ولا ما إذا كان سيشمل خمسة وزراء أو نصف أعضاء الفريق الحكومي. السؤال هو: ما المعايير التي يُبنى عليها التغيير أصلاً؟
هل لدينا برنامج حكومي واضح، محدد الأهداف، معلن الأولويات، ومقرون بمؤشرات أداء وجداول زمنية؟ وهل تُراجع نتائج الوزراء والمؤسسات بصورة دورية وفق معايير موضوعية؟ وهل يعرف المواطن ما الذي التزمت الحكومة بإنجازه، وما الذي أنجزته بالفعل، وما الذي تعثر، ولماذا؟
إذا كانت هذه الآليات قائمة وفاعلة، فإن الحكم على الأداء يصبح أكثر وضوحاً، ويصبح التغيير، عند الضرورة، قراراً مؤسسياً مبرراً، لا مادة للتخمين، ولا مناسبة لتداول الأسماء، ولا مساحة مفتوحة لبناء السيناريوهات التي تتكرر كلما مضت فترة على تشكيل حكومة.
أما إذا غابت المعايير الواضحة، أو لم تُفعّل بما يكفي، فستظل الأسئلة ذاتها تتكرر، وستبقى التوقعات تتقدم على الحقائق، وسيظل المواطن يتابع حركة الأسماء أكثر مما يتابع حركة الإنجاز.
المطلوب مراجعة النهج، لا تبديل الوجوه فقط
إنني أدعو إلى مراجعة جادة للآليات التي تحكم العمل الحكومي والإدارة العامة، مراجعة لا تستهدف حكومة بعينها، ولا تنطلق من الدفاع عن مسؤول أو الاعتراض على آخر، وإنما من الحرص على استقرار الدولة وكفاءة مؤسساتها.
وتبدأ هذه المراجعة، في تقديري، من عدد من الخطوات الأساسية:
أولاً، وضع برامج حكومية واضحة ومحددة، ترتبط بأهداف قابلة للقياس، وتُعلن للمواطنين حتى يكونوا شركاء في متابعة التنفيذ وتقييم النتائج.
ثانياً، اعتماد تقييم دوري وموضوعي لأداء الوزراء وكبار المسؤولين، يستند إلى الإنجاز الفعلي، وجودة الخدمات، وكفاءة الإنفاق، والقدرة على معالجة المشكلات، لا إلى الانطباعات أو الضغوط أو كثرة التصريحات.
ثالثاً، تعزيز استقرار القيادات الإدارية في مؤسسات الدولة، بحيث لا يصبح تغيير المسؤولين أو تداول الأنباء عن تغييرهم سبباً في تعطيل الخطط أو إرباك الموظفين أو إضعاف المساءلة. فالاستقرار المطلوب ليس بقاء الأشخاص إلى الأبد، بل ضمان استمرار السياسات الناجحة وعدم هدم ما تحقق لمجرد تبدل الأسماء.
رابعاً، تحديد قواعد واضحة للتعامل مع التعديل الحكومي، بحيث يستند إلى حاجة حقيقية، أو إخفاق مثبت، أو تغير في الأولويات، مع احترام الأطر الدستورية والصلاحيات المقررة، بدلاً من ترك المجال مفتوحاً لتكهنات لا تستند بالضرورة إلى معلومات موثوقة.
خامساً، ترسيخ مبدأ استمرارية الدولة، بحيث لا تتوقف المشاريع والخطط عند تغيير حكومة، ولا تعاد صياغة الأولويات من نقطة الصفر مع كل تشكيل جديد. فالدول تُبنى بتراكم الإنجاز، لا بتكرار البدايات.
للإعلام حق السؤال، ولكن للمهنية مقتضيات
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل دور بعض المنصات الإعلامية والأقلام التي تعيد تدوير الأحاديث ذاتها عن التعديلات والتغييرات، وتقدمها أحياناً في عناوين مثيرة تستقطب المتابعين، من دون أن تميز بوضوح بين المعلومة المؤكدة، والتقدير السياسي، والاحتمال، والأمنية الشخصية.
إنني لا أطالب الإعلام بالصمت، ولا أريد تقييد حقه في السؤال أو التحليل أو النقد؛ فالإعلام المهني ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى الإصلاح. لكن المهنية تقتضي ألا يُقدَّم الاحتمال في صورة الحقيقة، وألا تتحول التكهنات إلى أخبار تُربك الرأي العام، وألا يصبح استباق القرارات الرسمية غاية في حد ذاته.
ومن حق المواطن أن يعرف إن كان الحديث عن تغيير حكومي يستند إلى معلومة موثوقة، أم إلى قراءة شخصية، أم إلى مجرد تداول سياسي. فالفارق كبير بين تحليل يساعد على فهم الواقع، وتحليل يعيد إنتاج الشائعات والسيناريوهات ذاتها، حتى يصبح الترقب خبراً يومياً، ويغدو الحديث عن التغيير بديلاً عن الحديث عن الإنجاز.
وليس من الإنصاف أن نحمّل الإعلام وحده مسؤولية هذا المشهد؛ فوجود فراغ في المعلومات، أو غياب تواصل مؤسسي واضح بشأن البرامج والنتائج، قد يترك مساحة أوسع للتكهنات. ومن هنا تأتي أهمية الشفافية المنتظمة، ونشر تقارير الأداء، وتوضيح ما يمكن توضيحه من السياسات والقرارات، حتى لا تبقى الساحة رهينة ما يتناقله الناس وما تتوقعه الأقلام.
الاستقرار لا يعني الجمود، والمراجعة لا تعني الفشل
قد يقول قائل إن التعديل الوزاري حق دستوري، وإن تغيير الحكومات أو الوزراء أمر طبيعي في الأنظمة السياسية. وهذا صحيح من حيث المبدأ، وليس في الدعوة إلى الاستقرار ما يعني رفض التغيير أو تعطيل الصلاحيات الدستورية.
لكن المسألة التي أطرحها مختلفة تماماً: كيف نجعل التغيير استثناءً تفرضه الحاجة، لا حالة ترقب متكررة تستهلك اهتمام الدولة والرأي العام؟ وكيف نضمن أن يكون التعديل، متى وقع، جزءاً من عملية إصلاح مدروسة، لا مجرد استجابة لمشهد سياسي أو إعلامي متغير؟
إن الاستقرار الذي أدعو إليه هو استقرار البرامج والسياسات والمؤسسات، واستمرار المشاريع الناجحة، ووضوح المسؤوليات، وثبات معايير المحاسبة. أما الأشخاص، فيبقون خاضعين للتقييم والمساءلة، ويغادرون مواقعهم متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، وفق الأطر الدستورية والقانونية.
فليس المطلوب أن تبقى الحكومة حتى نهاية مدتها مهما كان أداؤها، وإنما أن يكون استمرارها أو تغييرها مرتبطاً بمعايير مفهومة، وأن يعرف المسؤول ما هو مطلوب منه، وأن يعرف المواطن كيف يُحاسَب، وأن لا تتحول كل مرحلة إلى موسم جديد من التسريبات والتوقعات والتكهنات.
كلمة أخيرة: نريد دولة تُقاس بالإنجاز لا بالأسماء
بعد ما يقارب ثلاثة عقود من قراءة الأخبار ذاتها، أعتقد أننا بحاجة إلى أن نتوقف قليلاً ونسأل أنفسنا: هل المشكلة في أسماء الوزراء، أم في الطريقة التي ندير بها العمل العام؟ وهل يكمن الإصلاح في تبديل الوجوه كلما تراكمت الأسئلة، أم في بناء منظومة تجعل المسؤولية واضحة، والأداء قابلاً للقياس، والمحاسبة حقيقية، والاستقرار المؤسسي قاعدة لا استثناء؟
لقد آن الأوان للانتقال من سياسة الترقب إلى ثقافة الإنجاز، ومن متابعة الأسماء إلى متابعة النتائج، ومن انتظار التعديل إلى المطالبة ببرنامج واضح ومحاسبة عادلة وشفافية مسؤولة.
فالدولة ليست حكومة عابرة، ومؤسساتها ليست ملكاً للأشخاص، وخططها لا ينبغي أن تبدأ من جديد كلما تبدلت المواقع. إن قوة الدولة لا تقاس بعدد التعديلات التي تجريها، ولا بسرعة تغيير المسؤولين، بل بقدرتها على اختيار الكفاءات، وتمكينها من العمل، ومحاسبتها على النتائج، وضمان استمرار المؤسسات في أداء واجباتها.
أما أن نبقى، بعد كل هذه السنوات، نقرأ العناوين ذاتها، ونستمع إلى التوقعات نفسها، ونتداول الأسماء ذاتها، ثم ننتظر ما إذا كانت التكهنات ستتحقق أم لا، فذلك يعني أننا لم نغادر دائرة السؤال إلى فضاء الحل.
نريد مراجعة حقيقية للنهج والآليات التي تحكم العمل العام، لا لأننا نرفض التغيير، بل لأننا نريد أن يكون التغيير مدروساً، والاستقرار مؤسسياً، والمساءلة عادلة، والإنجاز هو المعيار الأول والأخير.
فهل آن الأوان أن نطوي صفحة التكهنات المتكررة، ونفتح صفحة جديدة عنوانها: استقرار في النهج، واستمرارية في العمل، ومحاسبة على الإنجاز؟