لندن: محمد الطّورة
*هناك فرق شاسع بين إعلامٍ يكون إعلامَ وطنٍ، ينحاز إلى الحقيقة ويدافع عن مصالحه، وإعلامٍ يكون إعلامَ حكومةٍ، ينحاز إلى خطابها ويجعل من رضاها معيارًا لأدائه.
*إن تغليب الرضا الشخصي على الكفاءة المهنية في التعامل مع وسائل الأعلام والقائمين عليها يسيء إلى سمعة حرية الصحافة، ويدفع بعض الكفاءات إلى الهجرة خارج أوطانها، بدلًا من احتضانها والاستفادة من خبراتها.
*عندما يعجز الإعلام الرسمي عن الإقناع… هل تصبح حرية الصحافة هي المتهم؟
*هل يُواجَه تراجع الثقة بالإعلام الرسمي بمراجعة الأداء واستعادة المصداقية، أم بتضييق الخناق على الإعلام الخاص وإغراقه بالقوانين والتعليمات المقيّدة؟
ثمة سؤال يفرض نفسه على كل من يتابع المشهد الإعلامي في بعض الدول: هل أصبح تراجع أداء الإعلام الرسمي، وفقدانه جزءًا من ثقة الجمهور، سببًا في تصاعد محاولات التضييق على الإعلام الخاص، بدلًا من أن يكون حافزًا لمراجعة الأداء وتصحيح المسار واستعادة ثقة الناس؟
إن الإعلام الرسمي، بحكم موقعه ومسؤوليته، يفترض أن يكون صوتًا موثوقًا للمؤسسات الوطنية، وأن يمتلك من المهنية والمصداقية والقدرة على الإقناع ما يجعله حاضرًا في عقول الناس وضمائرهم. غير أن الثقة لا تُفرض بقرار، والمصداقية لا تُمنح بمرسوم، واحترام الجمهور لا يتحقق بمجرد امتلاك المنابر والوسائل، بل يُكتسب بالمهنية والشفافية والقدرة على تقديم الحقيقة، والإجابة عن الأسئلة مهما كانت صعبة.
وحين يتراجع تأثير الإعلام الرسمي، أو يعجز عن مواكبة تطلعات المجتمع، فمن الطبيعي أن يبحث الناس عن مصادر أخرى للمعلومة، وأن تتقدم وسائل الإعلام الخاصة لتملأ المساحات التي لم تعد المنابر التقليدية قادرة على ملئها. وهنا لا تكمن المشكلة في وجود إعلام خاص يمتلك الجرأة على السؤال والنقد والمساءلة، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى هذا الدور: أهو شريك في حماية المصلحة الوطنية، أم خصم ينبغي إخضاعه وإسكاته؟
حين تصبح القوانين وسيلة للتضييق بدلًا من التنظيم
من المؤسف أن تتحول بعض أوجه القصور في الأداء الإعلامي إلى ذريعة لتكثيف القيود على الصحافة المستقلة، وأن يصبح النقاش حول حرية الإعلام مناسبة لاستحداث مزيد من القوانين والأنظمة والتعليمات التي قد تُضيّق هامش العمل الصحفي، وتُثقل كاهل المؤسسات الإعلامية الخاصة وأصحابها، وتدفعهم إلى ممارسة الرقابة الذاتية خشية الوقوع في دائرة المساءلة.
ولا يعني ذلك أن الإعلام الخاص فوق القانون، أو أن حرية الصحافة تعني إطلاق الاتهامات بلا دليل، أو تجاهل المسؤولية المهنية والأخلاقية. فالصحافة الحرة مطالبة بالدقة والتحقق واحترام حقوق الآخرين، كما أن من حق الدولة حماية الأمن العام وصون الحقوق، وفق قوانين واضحة وعادلة.
لكن الفارق كبير بين قانون ينظم المهنة ويحمي المجتمع، وقيد يُستخدم لإسكات النقد؛ وبين مساءلة تستند إلى أدلة وإجراءات عادلة، وملاحقة تجعل الصحفي يفكر ألف مرة قبل أن يطرح سؤالًا مشروعًا.
فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى السؤال، والإعلام القادر على الإقناع لا يحتاج إلى إسكات منافسيه.
عندما يصبح رضا المسؤول معيارًا للتعامل مع الإعلام
ولعل الأخطر من القيود العامة أن تتأثر بعض التعليمات والقرارات والإجراءات المنظمة للعمل الإعلامي باعتبارات شخصية لا صلة لها بالمعايير المهنية، بحيث يصبح موقف صاحب الوسيلة الإعلامية، أو طبيعة علاقته ببعض المسؤولين، أو مدى الرضا عنه والارتياح إلى ما يطرحه من آراء ومواقف، عاملًا مؤثرًا في طريقة التعامل مع مؤسسته.
فبدلًا من أن تكون القواعد واحدة في تطبيقها على الجميع، قد يجد بعض الناشرين أنفسهم أمام تشدد في تفسير التعليمات أو تطبيقها، لا بسبب مخالفة مهنية ثابتة بالضرورة، وإنما بسبب مواقف نقدية أو خلافات أو اعتبارات شخصية. وفي المقابل، قد يحظى آخرون بقدر أكبر من المرونة والتسهيلات، لا لأنهم أكثر التزامًا بالمعايير، بل لأن علاقاتهم أو مواقفهم تحظى بالقبول والرضا.
وإذا حدث ذلك، فإننا لا نكون أمام مشكلة إعلامية فحسب، بل أمام إشكالية أوسع تتعلق بحياد الإدارة، وتكافؤ الفرص، والمساواة أمام القانون.
فلا يجوز أن تتوقف مساحة الحرية الإعلامية، أو فرص استمرار المؤسسات الصحفية وعملها، على مدى رضا أصحاب القرار عن مالكيها، أو على مقدار المجاملة التي يقدمونها، أو على استعدادهم لمجاراة ما يُراد لهم أن يقولوه أو يتجنبوا الخوض فيه.
إن القانون الذي يُطبَّق بميزان الرضا الشخصي يفقد حياده، والإجراء الذي تحكمه الخصومة بدلًا من المعايير المهنية يتحول من أداة لتنظيم العمل إلى مصدر للقلق وعدم تكافؤ الفرص.
فالمؤسسات الإعلامية لا ينبغي أن تُكافأ لأنها ترضي مسؤولًا، ولا أن تُضيَّق عليها لأنها تنتقده؛ بل يجب أن تُقاس بمهنية عملها، ودقة معلوماتها، واحترامها للقانون وحقوق الآخرين.
أما أن يصبح القرب من أصحاب القرار عاملًا للتيسير، وأن تتحول المسافة النقدية منهم إلى سبب للتشدد، فذلك يضر بثقة المجتمع في عدالة الإجراءات، ويبعث برسالة خاطئة مفادها أن الطريق إلى العمل الإعلامي الآمن يمر عبر إرضاء الأشخاص، لا الالتزام بالقواعد.
إن حرية الصحافة ليست منحة يمنحها المسؤول لمن يرضى عنه، ولا امتيازًا يسحبه ممن يختلف معه. إنها حق تحكمه القوانين العادلة، وتحميه معايير مهنية واضحة، وتصونه المساواة أمام القانون.
الإعلام الخاص… شريك في حماية الوطن لا خصم له
ولعل المفارقة التي تستحق التأمل أن المؤسسات الإعلامية الخاصة أثبتت، في محطات عديدة، قدرتها على الدفاع عن قضايا الوطن، وكشف مواطن الخلل، والتنبيه إلى المخاطر، وفتح الملفات التي تحتاج إلى معالجة. وقد تفعل ذلك بكلمة جريئة، أو بتحقيق مهني، أو بحوار يضع الحجة أمام الحجة، ويمنح الجمهور فرصة الاطلاع على الآراء المختلفة وتكوين موقفه عن وعي.
إن الدفاع عن الوطن لا يعني ترديد خطاب واحد، ولا تحويل الإعلام إلى مساحة خالية من الأسئلة والاختلاف. فالوطن أكبر من مؤسسة، وأبقى من مسؤول، وأوسع من رواية واحدة. ومصلحة الدولة الحقيقية لا تتحقق بحجب مواطن الخلل، بل بكشفها ومعالجتها، ولا تُصان سمعة المؤسسات بمنع النقد، بل بتصحيح الأخطاء التي قد تسيء إليها.
كما أن الصحافة التي تسلط الضوء على خلل في أداء مؤسسة ما لا تكون بالضرورة معادية لتلك المؤسسة، والصحفي الذي يطرح سؤالًا صعبًا لا يصبح خصمًا للوطن لمجرد أن إجابته قد لا ترضي بعض المسؤولين.
بل إن النقد المسؤول قد يكون أحد أشكال الانتماء الحقيقي؛ لأنه ينطلق من الحرص على الإصلاح، والرغبة في حماية المصلحة العامة، والإيمان بأن المؤسسات القوية هي التي تواجه أخطاءها وتعالجها، لا التي تنكر وجودها أو تحاول حجبها عن أعين الناس.
ولا يعني ذلك منح الإعلام الخاص حصانة من النقد أو المساءلة، فكما أن الإعلام الرسمي مطالب بالمصداقية، فإن الإعلام الخاص مطالب بها أيضًا. وكما أن المسؤول ينبغي أن يخضع للمساءلة، فإن الناشر والصحفي ليسا فوق القانون. لكن المعيار في الحالتين يجب أن يكون واحدًا: القانون العادل، والدليل، والإجراء المنصف، بعيدًا عن الانتقائية والخصومات الشخصية.
مواجهة الحجة بالحجة هي الطريق إلى الثقة
أما أولئك الذين يتعاملون مع الإعلام المستقل باعتباره تهديدًا لمجرد أنه يطرح أسئلة محرجة أو يقدم رواية مختلفة، فعليهم أن يدركوا أن مواجهة الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، والمعلومة الموثقة بالمعلومة الموثقة، هي الطريق الأجدى لكسب ثقة الناس.
فإذا كانت هناك معلومات غير دقيقة، فلتُقدَّم الحقائق. وإذا كان هناك اتهام غير صحيح، فليكن الرد بالأدلة. وإذا ارتُكبت مخالفة مهنية، فلتُعالج وفق قانون عادل وإجراءات شفافة تضمن حق الدفاع والمراجعة.
أما اللجوء إلى التضييق، مهما تعددت مسمياته القانونية والإدارية، فقد يحد من بعض الأصوات مؤقتًا، لكنه لا يصنع ثقة، ولا يضمن اقتناعًا، ولا يعالج أصل المشكلة.
بل إن الإفراط في القيود قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ إذ يضعف قدرة المجتمع على الوصول إلى المعلومات، ويحد من فرص تصحيح الأخطاء مبكرًا، ويوسع المسافة بين المؤسسات والجمهور، ويجعل الشك يحل محل الثقة في مواضع كان يمكن أن تحسمها الشفافية.
إن الإعلام الرسمي القوي لا يخشى الإعلام الخاص، والإعلام الخاص المسؤول لا يتنكر لمصلحة وطنه. وكلاهما يستطيع أن يؤدي دوره في خدمة المجتمع، متى توافرت بيئة تضمن التعددية المهنية، وتحترم استقلالية العمل الصحفي، وتخضع الجميع لقواعد واضحة وعادلة.
أي إعلام نريد؟ وأي قوانين نحتاج؟
إن المطلوب ليس إضعاف الإعلام الرسمي، ولا الدخول في خصومة بين الإعلام العام والخاص، وإنما الارتقاء بكليهما إلى مستوى المسؤولية الوطنية.
فالإعلام الرسمي بحاجة إلى مراجعة أدواته وخطابه، وتطوير قدرته على التواصل مع الجمهور، والانفتاح على الأسئلة المشروعة، والاعتراف بالأخطاء حين تقع. والإعلام الخاص بحاجة إلى بيئة قانونية ومهنية تتيح له أداء دوره باستقلالية ومسؤولية، بعيدًا عن الضغوط التي لا تستند إلى مخالفات واضحة أو معايير قابلة للتطبيق على الجميع.
ومن هنا، فإن مراجعة التشريعات والأنظمة الإعلامية ينبغي أن تنطلق من أسئلة جوهرية: هل تحمي هذه القوانين حق المجتمع في المعرفة وحق الصحفي في العمل المهني المستقل، أم تفتح الباب أمام تقييد النقد المشروع؟ وهل تُطبَّق على الجميع بمعايير واحدة، أم تتأثر في بعض الحالات بهوية الناشر ومواقفه وعلاقاته؟ وهل تعزز الثقة بين المؤسسات والجمهور، أم توسع الفجوة بينهما؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست شأنًا يخص الصحفيين والناشرين وحدهم، بل تمس المجتمع بأسره؛ لأن حرية الإعلام ترتبط بحق الناس في المعرفة، وقدرتهم على فهم ما يجري حولهم، ومساءلة المؤسسات التي تؤثر قراراتها في حاضرهم ومستقبلهم.
وكلما كانت القواعد أكثر وضوحًا وعدالة، والإجراءات أكثر شفافية، والقرارات قابلة للمراجعة والطعن أمام الجهات المختصة، تراجعت فرص توظيف السلطة التنظيمية في الخصومات الشخصية، وتعززت ثقة العاملين في الإعلام والجمهور على حد سواء.
الوطن أكبر من الأشخاص… والحقيقة أكبر من المنابر
إن الأوطان لا تُحمى بتكميم الأفواه، ولا تُصان صورتها بتضييق مساحات التعبير، ولا تستعيد المؤسسات هيبتها بإبعاد كل صوت ينتقدها. الأوطان تُحمى بمواطن واعٍ، وإعلام مهني، ومؤسسات تتقبل النقد، وقوانين عادلة تُطبَّق على الجميع دون انتقائية.
فإذا كان الإعلام الرسمي يتراجع عن دوره في الإقناع، فالحل ليس أن نُضيّق على الإعلام الخاص حتى يتراجع بدوره، بل أن نرفع مستوى الأداء حتى يستعيد الإعلام الرسمي ثقة الناس. وإذا كانت الحجة ضعيفة، فلا ينبغي أن يكون القانون بديلًا عنها. وإذا كان الخلاف مع ناشر أو مؤسسة إعلامية، فلا يجوز أن يتحول هذا الخلاف، إن وُجد، إلى معيار للتعامل معها أو تفسير الأنظمة المطبقة عليها.
إن الكلمة الحرة ليست خصمًا للوطن، والنقد المسؤول ليس خيانة، والصحافة التي تسأل ليست بالضرورة صحافة تعارض من أجل المعارضة. بل إن حرية الإعلام، حين تقترن بالمهنية والمسؤولية وسيادة القانون، يمكن أن تكون إحدى أهم أدوات الإصلاح، وحماية الاستقرار، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
فمن أراد لإعلامه أن يكون قويًا، فليمنحه أسباب القوة؛ ومن أراد للناس أن يثقوا بروايته، فليقدم لهم ما يستحق الثقة؛ ومن أراد حماية الوطن، فليحمِ حق أبنائه في معرفة الحقيقة، لا أن يجعلها رهينة لما يُسمح لهم بسماعه.
فالحجة لا تُهزم بمنعها من الكلام، والمصداقية لا تُبنى بتقييد المنافسين، والعدالة لا تكتمل إلا حين يكون القانون فوق الأشخاص، لا أداة في أيديهم.
إن الوطن الذي يتسع للنقد المسؤول، ويحمي حق الاختلاف، ويضمن تكافؤ الفرص أمام القانون، هو وطن يمنح مؤسساته فرصة أكبر للتطور، ويمنح مواطنيه أسبابًا أعمق للثقة، ويمتلك أدوات أكثر فاعلية لمواجهة الأخطاء والتحديات.
وهذه ليست معركة بين إعلام رسمي وإعلام خاص، ولا بين مسؤول وصحفي، بل قضية مبدأ ينبغي أن يتفق عليه الجميع: أن تكون خدمة الوطن هي الغاية، والحقيقة هي البوصلة، والقانون العادل هو المرجعية، وحرية الكلمة المسؤولة حقًا مصونًا لا يتغير بتغير الأشخاص أو المواقف.