(حين تصبح الثقافة موقفاً، وتتحول السياسة إلى اختبار لحرية الكلمة..)
ليست العلاقة بين المثقف والسياسي في الأردن علاقة عابرة، ولا هي مجرد اختلاف في وجهات النظر حول قضايا عامة أو سجال بين رأيين متباينين. إنها علاقة إشكالية، تتداخل فيها الثقافة بالسلطة، والفكرة بالمصلحة، وحرية التعبير بحسابات السياسة، وتكشف في كثير من الأحيان عن طبيعة المسافة الفاصلة بين ما يريده المثقف وما تسمح به السياسة.
في الأردن، ثمة حكاية طويلة بين المثقف والسياسي، حكاية لم تكتب فصولها كلها بعد، ولم تنتهِ أسئلتها عند حدود مرحلة أو حكومة أو مسؤول. فالمثقف الذي يرى في الكلمة مسؤولية أخلاقية واجتماعية، يجد نفسه أحياناً في مواجهة سياسية لا يريدها، بينما ينظر السياسي إلى المشهد من زاوية مختلفة، تحكمها اعتبارات الدولة ومصالحها وتوازناتها.
وهنا تبدأ حكاية الاشتباك.
ليس بالضرورة أن يكون الاشتباك صداماً مباشراً أو مواجهة علنية. فقد يكون صمتاً طويلاً، أو تجاهلاً متعمداً، أو تهميشاً للمثقف، أو محاولة لإقناعه بأن يخفف من حدة أسئلته، وأن يختار كلماته بعناية، وأن يقترب من المساحات الآمنة التي لا تثير قلق السياسي ولا تربك حساباته.
لكن السؤال الذي يظل حاضراً: هل وظيفة المثقف أن يطمئن السياسي، أم أن يقلقه بالأسئلة التي لا يريد سماعها؟
في المشهد الأردني، لم يكن المثقف يوماً بعيداً عن قضايا الدولة والمجتمع. فقد كان الكاتب والصحفي والشاعر والمفكر جزءاً من النقاش العام، وشارك في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي، وعبّر عن هموم الناس وتطلعاتهم، ووقف في محطات كثيرة إلى جانب قضايا الإصلاح والعدالة والحريات العامة.
غير أن العلاقة بين الطرفين لم تكن دائماً على النحو الذي يطمح إليه المثقفون. فثمة مسافة تتسع أحياناً بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن الإصلاح والتحديث، وبين الأسئلة الثقافية التي تبحث عن مضمون هذه الشعارات، وعن انعكاسها الفعلي على حياة الناس.
ولعل الإشكالية الأعمق تكمن في أن بعض السياسيين لا ينظرون إلى المثقف بوصفه شريكاً في صناعة الوعي، بل باعتباره صوتاً يمكن الاستفادة منه حين تتوافق مواقفه مع الخطاب الرسمي، ثم الابتعاد عنه حين يتحول إلى ناقد أو صاحب رأي مستقل.
وهذه النظرة، إن وجدت، لا تضر بالمثقف وحده، بل تضر بالحياة العامة؛ لأن الدولة التي لا تصغي إلى مثقفيها تخسر واحدة من أهم أدوات قراءة المجتمع وفهم تحوّلاته.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء المثقف من مسؤوليته في هذه العلاقة. فالمثقف ليس معصوماً من الخطأ، وليس كل من يرفع شعار الحرية يمتلك بالضرورة مشروعاً ثقافياً أو رؤية إصلاحية واضحة. كما أن النقد، لكي يكون مؤثراً، يحتاج إلى معرفة عميقة بالواقع، وإلى شجاعة أخلاقية، وإلى قدرة على التمييز بين الموقف المبدئي والانفعال العابر.
إن المثقف الذي يكتفي بمخاصمة السياسي دون أن يقدم بديلاً فكرياً أو يطرح أسئلة جادة، يفقد شيئاً من دوره. وكذلك السياسي الذي يرى في كل نقد تهديداً لموقعه، يضيّق على نفسه قبل أن يضيّق على الآخرين.
وفي الأردن، تبدو هذه العلاقة أكثر حساسية حين يتعلق الأمر بالصحافة والكتابة السياسية والثقافية. فالكاتب الذي يقترب من ملفات الإدارة العامة والفساد والحقوق والحريات، لا يكتب دائماً في مساحة خالية من الحسابات والتأويلات. وقد يجد نفسه أمام أسئلة تتجاوز مضمون مقاله إلى دوافعه ومقاصده، وربما إلى علاقته بالمسؤولين ومؤسسات الدولة.
وهنا يصبح السؤال عن حرية المثقف سؤالاً عن طبيعة المجال العام نفسه. فهل يستطيع الكاتب أن يختلف مع مسؤول دون أن يتحول اختلافه إلى خصومة؟ وهل يمكن للمثقف أن ينتقد سياسة حكومية دون أن يُصنَّف خصماً للدولة؟ وهل يمكن أن تكون العلاقة بين الطرفين قائمة على الحوار، لا على الرغبة في الاحتواء أو الإقصاء؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو أن تتحول إلى مجرد زينة للمشهد السياسي، وأن يصبح المثقف ضيفاً في المناسبات الرسمية، بينما تغيب أفكاره وأسئلته عن طاولات صناعة القرار.
فالثقافة ليست خطاباً احتفالياً، وليست قصائد تُلقى في المناسبات، ولا ندوات تنتهي بانتهاء التصفيق. الثقافة موقف من الإنسان، ومن العدالة، ومن الحرية، ومن حق المجتمع في أن يعرف ويسأل ويناقش.
والسياسي، مهما امتلك من صلاحيات، لا يستطيع أن يستغني عن الثقافة بوصفها أداة لفهم المجتمع وتفسير تحوّلاته. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية ليست أرقاماً فقط، والاحتجاجات ليست أحداثاً عابرة، والاختلاف في الرأي ليس بالضرورة خروجاً على الإجماع الوطني. وراء كل ذلك حكايات إنسانية وأسئلة فكرية تستحق أن تُقرأ وتُفهم.
ولعل ما تحتاجه الحياة الثقافية الأردنية اليوم هو إعادة بناء العلاقة بين المثقف والسياسي على قاعدة الاعتراف المتبادل بالاختلاف. فلا المثقف مطالب بأن يكون بوقاً للسياسي، ولا السياسي مطالب بأن يتبنى كل ما يكتبه المثقف. لكن كليهما مطالب بأن يعترف بحق الآخر في التعبير عن موقفه، وأن يدرك أن الاختلاف لا يعني بالضرورة العداء.
إن الدولة القوية لا تخشى النقد، والمثقف الحقيقي لا يبحث عن خصومة مجانية مع الدولة. وبين هذين الموقفين يمكن أن تتأسس علاقة صحية، يكون فيها النقد وسيلة للتصويب، والحوار طريقاً لتجاوز الأزمات، والثقافة شريكاً في بناء المستقبل.
وليس المطلوب أن يتخلى المثقف عن أسئلته كي يرضى السياسي، ولا أن يتخلى السياسي عن مسؤولياته كي يرضى المثقف. المطلوب أن يتسع المجال العام لكليهما، وأن تكون هناك مساحة حقيقية للنقاش، لا تحكمها الحسابات الشخصية أو الحساسية من الرأي المخالف.
إن الاشتباك بين المثقف والسياسي في الأردن ليس بالضرورة أزمة ينبغي التخلص منها، بل قد يكون علامة على حيوية المجتمع، إذا بقي في حدود الحوار المسؤول، ولم يتحول إلى صراع على النفوذ أو محاولة لإسكات أحد الطرفين.
فالمثقف الذي لا يسأل يفقد جوهر دوره، والسياسي الذي لا يستمع يفقد فرصة ثمينة لفهم مجتمعه.
وفي نهاية المطاف، لا تحتاج الثقافة الأردنية إلى سياسي يصفق لها، ولا تحتاج السياسة إلى مثقف يبرر لها كل قراراتها. ما تحتاجه البلاد هو علاقة تقوم على الاحترام، وتقبل النقد، والإيمان بأن الكلمة الحرة ليست عبئاً على الدولة، بل إحدى وسائل حمايتها وتطويرها.
فحين يخاف السياسي من سؤال المثقف، تصبح السياسة أكثر عزلة. وحين يفقد المثقف استقلاله، تصبح الثقافة أقل قدرة على التأثير.
وبين هذا وذاك، يبقى الأردن بحاجة إلى مثقف لا يخشى السؤال، وسياسي لا يخشى الإجابة؛ لأن الأوطان لا تتقدم بالصمت، ولا تُبنى بالتوافق المصطنع، وإنما بالحوار الصريح الذي يمنح الاختلاف مكانه الطبيعي في الحياة العامة.