كتب: المحرر السياسي
الإدارة بين الإنجاز والإنصاف.. حين تصبح العدالة معيارًا للقيادة في بعض الوزارات
تتضاعف مسؤولية القيادة كلما تقدم صاحبها في الهرم الإداري، واتسعت صلاحياته في تنظيم العمل وتوزيع المسؤوليات والإشراف على الكوادر البشرية. فالموقع الذي يتولى إدارة الشؤون الإدارية، ويشرف على آليات العمل وتوزيع الأدوار بين الموظفين، لا تقتصر مسؤوليته على ضمان سير الإجراءات وانتظامها، بل تمتد إلى ترسيخ العدالة في التعامل، وتحقيق التوازن في توزيع المهام، وإتاحة الفرص أمام الكفاءات وفق معايير واضحة ومنصفة.
وفي المواقع المتقدمة من الإدارة، حيث تتقاطع الصلاحيات مع مصالح العاملين وتطلعاتهم المهنية، تصبح الحيادية أكثر من مجرد قيمة أخلاقية؛ إنها ضرورة لضمان سلامة القرار الإداري، وتعزيز الثقة بالمؤسسة، وصون مبدأ تكافؤ الفرص. فكلما اتسعت سلطة المسؤول في التكليف والتقييم وتوزيع الأدوار، ازدادت الحاجة إلى أن تكون قراراته مستندة إلى مقتضيات العمل والكفاءة والاستحقاق، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو تفاوت القرب من دوائر المسؤولية.
ولعل الاختبار الحقيقي لأي قيادة إدارية لا يكمن فقط في قدرتها على تنظيم العمل، بل في قدرتها على إقناع الجميع دون إستثناء بأن معاييرها واحدة، وأن اختلاف المهام لا يعني اختلافًا في الحقوق، وأن الفرص تُمنح وفق حاجة المؤسسة وكفاءة العاملين، لا وفق اعتبارات أخرى قد لا تخدم المصلحة العامة.
من هنا، فإن الحديث عن العدالة الإدارية ليس انتقاصًا من جهود أحد، ولا تشكيكًا في إنجازات المؤسسات، بل هو تأكيد على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل منظومة العمل نفسها، وأن الإنصاف في إدارة الموارد البشرية وتوزيع المسؤوليات يمثل جزءًا أصيلًا من نجاح القيادة واستدامة الإنجاز.
حين لا يكتمل النجاح الإداري إلا بالإنصاف
ليس كل إنجاز إداري دليلًا على اكتمال النجاح، كما أن تجاوز الأزمات وإنجاز الملفات الصعبة، على أهميتهما، لا يكفيان وحدهما للحكم على جودة القيادة. فثمة جانب آخر لا يقل أهمية، وربما يكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد، يتمثل في قدرة المسؤول على إدارة من حوله بعدالة، وتقدير الكفاءات بموضوعية، وإتاحة الفرص بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية والحسابات الضيقة.
فالقيادة الحقيقية لا تُختبر فقط في القرارات الكبرى، بل تظهر بوضوح في التفاصيل اليومية؛ في طريقة توزيع المسؤوليات، ومعايير اختيار المكلفين بالمهام، وآليات تقييم الأداء، ومدى الانفتاح على الآراء المختلفة. هناك تحديدًا تتجلى الفوارق بين إدارة تكتفي بإنجاز المطلوب، وإدارة تؤسس لثقافة مؤسسية قوامها الثقة والإنصاف وتكافؤ الفرص.
وفي المؤسسات التي تتعدد فيها الخبرات وتتباين فيها وجهات النظر، لا يُشترط أن يتفق الجميع في الرأي أو الأسلوب، لكن من الضروري أن يخضع الجميع لمعايير مهنية واضحة. فالاختلاف في وجهات النظر ليس خللًا إداريًا، ولا ينبغي أن يتحول إلى سبب للتهميش أو تقليص فرص المشاركة، ما دام الحوار قائمًا في إطاره المهني، والالتزام بمتطلبات العمل حاضرًا.
ومن هنا، تبرز أهمية الفصل بين العلاقات الشخصية والمسؤوليات الوظيفية. فمن الطبيعي أن تتفاوت مستويات الانسجام بين الأفراد، لكن الموقع الإداري يفرض على شاغله أن يجعل المصلحة العامة فوق الانطباعات الشخصية، وأن يحتكم إلى الكفاءة والإنجاز عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالعاملين معه.
ولا يعني الإنصاف أن تتساوى الأدوار أو المسؤوليات، فطبيعة العمل تفرض تفاوتًا في المهام ومستويات التكليف، وإنما يعني أن تكون المعايير التي تحكم هذا التفاوت واضحة وعادلة، وأن يكون الاختيار قائمًا على القدرة والاستحقاق، لا على القرب أو الاعتبارات التي لا صلة لها بمصلحة المؤسسة.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه بيئة العمل هو أن يشعر بعض العاملين بأن الاجتهاد وحده لا يكفي، وأن الفرص قد تكون مرتبطة بعوامل أخرى تتجاوز الأداء والكفاءة. فمثل هذا الشعور، حتى عندما لا يكون قائمًا على تقييم موضوعي كامل، يستحق أن تتعامل معه الإدارة بجدية، من خلال الشفافية في القرارات، ووضوح أسس التقييم، وإتاحة المجال أمام الجميع لإثبات قدراتهم.
فالمؤسسة التي تريد الاستفادة من جميع طاقاتها لا تحصر الثقة في دائرة محدودة، ولا تجعل التشابه في الآراء شرطًا للتقدم، بل تبحث عن الكفاءة حيثما وجدت، وتدرك أن تعدد الخبرات واختلاف المقاربات قد يكونان مصدر قوة إذا أُحسن توظيفهما. كما أن المسؤول الواثق يدرك أن نجاح أحد العاملين معه لا ينتقص من مكانته، بل يضيف إلى رصيد المؤسسة التي يقودها.
إن الإدارة الرشيدة لا تكتفي بالسؤال عن حجم الإنجاز، بل تسأل أيضًا عن الطريقة التي تحقق بها، وعن الفرص التي أتيحت لصناعته، وعن مدى شعور العاملين بأن جهودهم تُقدّر وفق معايير منصفة. فالأثر الإداري الحقيقي لا يظهر فقط في النتائج المباشرة، بل في مستوى الثقة، وروح المبادرة، والاستعداد لتحمل المسؤولية، وهي عناصر لا تُفرض بالتعليمات وحدها، وإنما تُبنى بالممارسة اليومية.
فليست العبرة بأن يكون الجميع على مسافة واحدة من المسؤول، بل بأن يكون الجميع على مسافة واحدة من العدالة؛ وليست المشكلة في اختلاف الفرص حين تبرره الكفاءة، وإنما في غياب المعايير التي تجعل هذا الاختلاف مفهومًا ومنصفًا.
وفي نهاية المطاف، قد يُذكر المسؤول بما أنجزه من ملفات وما اتخذه من قرارات، لكن أثره الأعمق يبقى فيما أسسه من نهج إداري، وما رسخه من ثقة، وما أتاحه من فرص، وما تركه من قناعة بأن الكفاءة لا تحتاج إلى قرب شخصي حتى تجد طريقها، وأن الاجتهاد لا ينبغي أن تحجبه اعتبارات لا صلة لها بمتطلبات العمل.
فالإصلاح الإداري لا يبدأ دائمًا بتغيير الأنظمة أو استحداث التعليمات؛ قد يبدأ من مراجعة معيار، أو تصحيح ممارسة، أو إعادة النظر في طريقة منح الفرص. وحين تصبح الكفاءة أساسًا للاختيار، والعدالة معيارًا للتعامل، والاختلاف مساحة للحوار لا مدخلًا للإقصاء، يصبح الإنجاز أكثر رسوخًا، وتغدو القيادة مسؤولية تُقاس بما تحققه للمؤسسة وبما تمنحه للعاملين فيها من ثقة وإنصاف.
فالإنجاز يصنع نجاحًا، والإنصاف يصنع الثقة، وحين يجتمع الاثنان تصبح القيادة جديرة بأثر يبقى.