بعيدا عن السياسة ..قريبا من الإنسان.
ليس غريباً أن تجد أردنياً، في لحظة هدوء، يستعيد من ذاكرته شارعاً قديماً، أو بيتاً كان أكثر بساطة، أو وجهاً غاب منذ سنوات، ثم يقول بحسرة: «يا ريت أيام زمان ترجع».
هذه الجملة التي تتردد كثيراً على ألسنة الأردنيين ليست مجرد حنين عابر إلى زمن مضى، وإنما تعبير عن شعور أعمق؛ شعور بأن شيئاً ما تغيّر في تفاصيل الحياة، وفي العلاقات بين الناس، وفي شكل المدن، وحتى في معنى الجيرة والصداقة والفرح.
فلماذا يحنّ الأردنيون إلى الماضي؟
ربما لأن الماضي، في ذاكرتهم، لم يكن مزدحماً كما هو اليوم. كانت الحياة أقل تعقيداً، والناس يعرف بعضهم بعضاً، والجار يعرف أخبار جاره من دون هاتف، والأبواب تُفتح للضيف من دون موعد، والشارع لم يكن مجرد طريق للسيارات، بل مساحة للقاء والحكايات.
وفي إربد، كان للحنين طعم آخر.
كانت المدينة تبدو أقرب إلى القرية الكبيرة؛ أحياء يعرف أهلها بعضهم بعضاً، وبيوت متجاورة، ودكاكين صغيرة تحفظ أسماء زبائنها، وشوارع تحمل في زواياها قصصاً لا يعرفها إلا أهلها.
كان شارع الرشيد وغيره من شوارع إربد جزءاً من ذاكرة الناس، لا مجرد أسماء على لوحات. وكانت رائحة الخبز، وصوت الباعة، وأحاديث الجيران، ولقاءات المساء أمام البيوت، تفاصيل صغيرة، لكنها بقيت كبيرة في الذاكرة.
وفي الزرقاء، كانت الحكاية مختلفة في تفاصيلها، لكنها متشابهة في روحها.
مدينة صنعتها الحركة والعمل والهجرة الداخلية، وعاش فيها أناس من مناطق وبيئات مختلفة، فكانت الحياة فيها خليطاً أردنياً واسعاً. الأحياء الشعبية، والأسواق، والمصانع، والعمال، والبيوت المتقاربة، كلها صنعت ذاكرة خاصة للمدينة.
الزرقاء القديمة لم تكن مجرد مدينة صناعية؛ كانت مدينة للناس الذين جاؤوا إليها بحثاً عن العمل والحياة، وبنوا فيها علاقاتهم وبيوتهم وأحلامهم.
وفي الريف الأردني، كان الماضي أكثر التصاقاً بالأرض.
هناك كان موسم الحصاد مناسبة اجتماعية، والبيدر مكاناً للقاء، والزراعة ليست مجرد مصدر رزق، بل جزءاً من هوية العائلة. كان الناس يتعاونون في مواسم العمل، ويعرفون قيمة الأرض، ويعرفون أن فرح الواحد منهم يمكن أن يكون فرحاً للآخرين.
كان البيت الريفي مفتوحاً، والمضافة عنواناً للكرم، والضيف لا يحتاج إلى موعد، والقهوة ليست مجرد مشروب، وإنما طقس اجتماعي يحمل معنى الاحترام والانتماء.
أما البادية الأردنية، فلها ذاكرتها الخاصة.
ذاكرة الصحراء والمضافة والنجدة والكرم، وذاكرة الرجال الذين كانت الكلمة عندهم موقفاً، وذاكرة النساء اللواتي حملن أعباء البيت والأسرة بصبر طويل.
هناك كان المكان واسعاً، لكن العلاقات أكثر قرباً، وكانت العائلة والعشيرة والجيرة تشكل شبكة اجتماعية تحمي الإنسان في أفراحه وأتراحه.
وفي المخيم، كان الحنين يحمل وجهاً آخر.
هناك لم يكن الماضي مجرد ذكريات طفولة أو شوارع قديمة، بل كان ذاكرة مكان، وذاكرة أهل، وذاكرة اقتلاع وانتظار وحلم. ومع ذلك، استطاعت المخيمات أن تصنع حياة اجتماعية نابضة؛ حارات متقاربة، أطفال يلعبون معاً، نساء يتبادلن الزيارات، رجال يجتمعون في المناسبات، وأحياء تحولت مع مرور الزمن إلى ذاكرة متكاملة لأجيال كاملة.
في المدينة والريف والبادية والمخيم، اختلفت التفاصيل، لكن الروح كانت واحدة: روح المجتمع الذي يعرف بعضه بعضاً.
ربما لهذا السبب لا يحن الأردني إلى الماضي لأنه كان أجمل بالضرورة، بل لأنه كان أكثر قرباً من الإنسان.
لقد تغيرت المدن. كبرت عمّان، واتسعت إربد، وتبدلت الزرقاء، وتغير الريف، وتراجعت ملامح كثيرة من البادية، وكبرت المخيمات وتحولت أجزاء منها إلى أحياء وامتدادات مدينية.
ومع تغير المكان، تغيّر إيقاع الحياة.
أصبح الهاتف حاضراً في كل لحظة، وأصبحت العلاقات تُدار أحياناً عبر شاشة، والتهنئة تصل برسالة، والمواساة قد تكون بكلمة قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
صرنا نملك وسائل أكثر للتواصل، لكننا لا نملك بالضرورة ذلك الدفء القديم في التواصل.
كان الناس يجلسون طويلاً ويتحدثون. وكانت الحكاية تأخذ وقتها، والصداقة تُبنى على سنوات من العِشرة، لا على إعجاب سريع أو تعليق عابر.
والأردني حين يستعيد الماضي، لا يستعيد فقط صورة المكان، بل يستعيد نفسه القديمة.
يستعيد شبابه، ورفاقه، وأولئك الذين كانوا جزءاً من يومه ثم أخذتهم الحياة بعيداً. يستعيد أباً أو أماً أو صديقاً رحل، وبيتاً لم يعد قائماً، وشجرة كانت في ساحة الدار، ورائحة خبز، وصوت بائع متجول، ومقهى كان يجتمع فيه الأصدقاء.
إنه في الحقيقة لا يشتاق إلى الزمن وحده؛
إنما يشتاق إلى الأشخاص الذين كانوا يسكنون ذلك الزمن.
لكن الحنين لا يعني أن الماضي كان خالياً من التعب.
كان فيه الفقر، وقسوة الحياة، وشح الإمكانات، وأزمات كثيرة ربما لا يتذكرها الإنسان عندما تستيقظ الذاكرة. فالذاكرة البشرية انتقائية؛ تحتفظ غالباً بما منحها الدفء، وتترك جانباً ما كان يؤلمها.
ولهذا، فإن عبارة «أيام زمان كانت أحسن» ليست حكماً تاريخياً دقيقاً بقدر ما هي اعتراف عاطفي بأن الإنسان كان يشعر، في بعض تفاصيل ذلك الزمن، بأنه أكثر طمأنينة وانتماءً.
المشكلة ليست في أن نشتاق إلى الماضي.
المشكلة أن يصبح الحنين بديلاً عن محاولة إصلاح الحاضر.
فليس المطلوب أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا أن نعيد بناء البيوت القديمة أو نعيد الشوارع إلى ما كانت عليه. المطلوب أن نستعيد من الماضي ما كان جميلاً وقابلاً للحياة: احترام الكبير، صلة الرحم، شهامة الجار، صدق الصداقة، دفء العائلة، البساطة، ومساعدة المحتاج من دون تصوير أو إعلان.
يمكن للمدينة أن تتطور، من دون أن تفقد روحها.
ويمكن للتكنولوجيا أن تدخل كل بيت، من دون أن تطرد الإنسان من حياة الإنسان.
ويمكن لإربد أن تتوسع، وللزرقاء أن تتغير، وللريف أن يتبدل، وللبادية أن تدخل العصر الحديث، وللمخيم أن يتطور، من دون أن تضيع ذاكرة المكان.
فالتقدم لا يعني أن نمحو الماضي، كما أن الوفاء للماضي لا يعني أن نرفض المستقبل.
ربما نحن لا نريد الماضي كله.
نريد فقط أن نستعيد شيئاً من روحه.
نريد أن تعود الوجوه التي لا تخشى بعضها، والبيوت التي لا تحتاج إلى موعد، والجيرة التي لا تختصرها التحية، والصداقة التي لا تنتهي بخلاف، والفرح الذي لا يحتاج إلى مناسبة كبيرة.
نريد أن نشعر، مرة أخرى، أن الحياة ليست سباقاً دائماً.
ولهذا يحن الأردنيون إلى الماضي.
لأن بعض ما فقدناه لم يكن في شوارع إربد القديمة، ولا في أسواق الزرقاء، ولا في بيوت الريف، ولا في مضارب البادية، ولا في حارات المخيم…
بل كان فينا نحن.