العموم نيوز – مقال رأي
إذا صحت الأنباء المتداولة عن توجه كتلة نيابية لطرح اسم سيدة للمنافسة على رئاسة مجلس النواب، فإن الأمر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد مناورة انتخابية أو بحثاً عن توافقات تحت القبة، بل باعتباره فرصة سياسية مهمة لاختبار مدى جدية الدولة الأردنية في ترجمة مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية إلى واقع عملي.
فالحديث عن تمكين المرأة لم يعد شعاراً يقال في المناسبات، ولم تعد المرأة الأردنية بحاجة إلى من يقدم شهادة حسن سلوك سياسية أو إدارية على أهليتها لتولي المسؤولية العامة. التجربة الأردنية خلال العقود الماضية قدمت نماذج نسائية وصلت إلى أعلى مواقع الدولة، في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وفي القضاء والدبلوماسية والإدارة والأمن والطيران وغيرها من القطاعات.
ومن هنا، فإن وصول امرأة إلى موقع رئيس مجلس النواب، إذا ما توافرت فيها الكفاءة والقدرة على إدارة المجلس وكسب ثقة زملائها، سيكون تطوراً طبيعياً في مسيرة المرأة الأردنية، ورسالة سياسية مهمة في مسار التحديث.
من الكوتا إلى المنافسة على المواقع القيادية
لقد قطعت المرأة الأردنية مسافة طويلة منذ دخولها الحياة النيابية وصولاً إلى المشاركة في المنافسة السياسية المباشرة. وفي انتخابات مجلس النواب العشرين عام 2024، فازت 27 سيدة بمقاعد نيابية من أصل 138 مقعداً، وهي أعلى مشاركة نسائية في تاريخ الحياة البرلمانية الأردنية، وفق بيانات رسمية. كما تولت سيدات رئاسة لجان نيابية، وشاركن في المكتب الدائم للمجلس.
وهذه الأرقام مهمة، لكنها ليست الهدف النهائي.
فالكوتا، في جوهرها، كانت وسيلة لفتح الباب، وليس منطقاً ينبغي أن تبقى المرأة أسيرة له إلى الأبد. والمرحلة التي يعيشها الأردن اليوم تقتضي الانتقال من سؤال: كم امرأة وصلت إلى المجلس؟ إلى سؤال أكثر أهمية: إلى أي مواقع قيادية تستطيع المرأة أن تصل داخل المجلس؟
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن رئاسة مجلس النواب.
إن ترشيح سيدة لهذا الموقع لا يعني أن المنصب يجب أن يذهب إلى امرأة لمجرد كونها امرأة، وإنما يعني ببساطة أن المرأة يجب أن تكون حاضرة في قائمة الخيارات، وأن تكون فرصتها في المنافسة مساوية لفرصة الرجل، وأن يكون الفيصل هو الكفاءة والثقة والقدرة على إدارة المؤسسة التشريعية.
المرأة الأردنية وصلت إلى مجلس الوزراء ونائب رئيس الوزراء
التجربة الأردنية لا تبدأ من الصفر.
فالمرأة الأردنية دخلت السلطة التنفيذية منذ عام 1979، عندما تولت أول امرأة حقيبة وزارية، ثم تدرج حضورها وصولاً إلى مواقع تنفيذية عليا، ومن بينها منصب نائب رئيس الوزراء. وتشير البيانات الرسمية والدراسات الوطنية إلى أن تمثيل النساء في الحكومات شهد تطوراً ملحوظاً خلال العقود الماضية.
واليوم، ما تزال المرأة حاضرة في مجلس الوزراء في مواقع مهمة، ومن أبرز النماذج الحالية الوزيرة وفاء بني مصطفى، التي تشغل حقيبة التنمية الاجتماعية وترأس اللجنة الوزارية لتمكين المرأة، بعد تجربة سياسية وتشريعية طويلة.
فإذا كانت الأردنية قد أثبتت قدرتها على المشاركة في صناعة القرار التنفيذي، فما الذي يجعل رئاسة مجلس النواب سقفاً يصعب بلوغه؟
وفي السلطة التشريعية.. الحضور يتجاوز التمثيل الرمزي
لقد تغيرت صورة المرأة تحت القبة بصورة واضحة.
فالمرأة الأردنية لم تعد مجرد رقم يضاف إلى عدد أعضاء المجلس، بل أصبحت عضواً في اللجان، ورئيسة للجان، ومقررة لها، وعضواً في المكتب الدائم، ونائبة تمارس دورها في التشريع والرقابة.
وتؤكد الأرقام الرسمية أن مجلس النواب العشرين سجل أعلى تمثيل نسائي في تاريخ البرلمان الأردني، بوصول 27 نائبة إلى المجلس.
وبالتالي، فإن التفكير في وصول امرأة إلى رئاسة المجلس ليس قفزة في المجهول، وإنما هو امتداد طبيعي لتطور بدأ منذ سنوات.
والأهم أن رئاسة مجلس النواب ليست امتيازاً للرجل بحكم العرف السياسي، وإنما موقع دستوري وسياسي يجب أن يكون مفتوحاً لكل نائب أو نائبة تتوافر فيه شروط القيادة ويحظى بثقة المجلس.
وفي مجلس الأعيان.. المرأة شريكة في التشريع
ولم يتوقف الحضور النسائي عند مجلس النواب.
فالمرأة الأردنية وصلت إلى مجلس الأعيان منذ سنوات طويلة، وأصبحت عضواً فاعلاً في اللجان، ومنها لجنة المرأة التي تتابع قضايا التشريع والسياسات المتعلقة بتمكين المرأة.
واليوم تواصل المرأة حضورها في مجلس الأعيان، في ظل تأكيد رسمي مستمر على تعزيز مشاركتها في الحياة العامة وصنع القرار. كما يؤكد مجلس الأعيان أن تمكين المرأة يرتبط بمسارات التحديث السياسي والاقتصادي وبمبدأ تكافؤ الفرص.
وهذا يعني أن المرأة أصبحت جزءاً من غرفتي التشريع في الدولة الأردنية، وليس منطقياً أن نتحدث عن تمكينها سياسياً ثم نتردد عندما تقترب من أحد أهم المواقع القيادية في السلطة التشريعية.
من قاعة البرلمان إلى القضاء والدبلوماسية والإدارة
والقصة لا تتوقف عند السياسة.
فالمرأة الأردنية وصلت إلى القضاء منذ عقود، وقدمت أسماء أصبحت علامات مضيئة في تاريخ القضاء الأردني والعربي، وفي مقدمتها القاضية تغريد حكمت، التي كانت أول قاضية أردنية، ثم أصبحت أول قاضية عربية ومسلمة في المحكمة الجنائية الدولية.
وفي السلك الدبلوماسي، وصلت المرأة الأردنية إلى منصب السفيرة منذ وقت مبكر، وتزايد حضور السفيرات الأردنيات في السنوات الأخيرة، بما يعكس اتساع مشاركتها في تمثيل المملكة في الخارج.
وفي الإدارة المحلية، شهدت وزارة الداخلية وصول المرأة إلى مواقع إدارية متقدمة؛ ففي عام 2025 عُينت ميسون الخصاونة متصرفاً للواء الوسطية، لتكون أول امرأة تشغل هذا الموقع في وزارة الداخلية.
أما في الطيران، فقد أثبتت الأردنية أنها قادرة على التحليق في مجالات كانت إلى وقت قريب حكراً على الرجال. فقد أصبحت الملازم الطيار سبأ الذنيبات أول أردنية تقود طائرة مقاتلة من طراز F16 منفردة في القوات المسلحة الأردنية.
هذه ليست مجرد قصص نجاح فردية؛ إنها شواهد متراكمة على أن المجتمع الأردني والدولة الأردنية استطاعا فتح أبواب كانت مغلقة أمام المرأة.
الملكة رانيا.. نموذج أردني حاضر في الداخل والخارج
ولا يمكن الحديث عن تطور حضور المرأة الأردنية من دون التوقف عند الدور الذي تقوم به جلالة الملكة رانيا العبدالله، التي أصبحت على مدى سنوات نموذجاً للحضور الأردني النسائي في المحافل الدولية، إلى جانب نشاطها المستمر في ملفات التعليم والأسرة والطفولة وتمكين المجتمعات والشباب.
لقد أسهم الحضور الملكي للمرأة الأردنية في الداخل والخارج في تقديم صورة مختلفة عن المرأة العربية والأردنية، ليس باعتبارها شريكة في المجتمع فحسب، وإنما باعتبارها قادرة على قيادة المبادرات والتأثير في السياسات والحديث باسم قضايا وطنها وقضايا المنطقة أمام العالم.
وإلى جانب جلالة الملكة، قدمت الأسرة الهاشمية على مدى عقود نماذج نسائية ناشطة في مجالات التعليم والعمل الإنساني والشباب والرياضة والتنمية، بما يعكس حضور المرأة في المشروع الوطني الأردني.
المطلوب اليوم.. خطوة إضافية
اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية لم تضع تمكين المرأة في خانة الشعارات، بل قدمت توصيات واضحة تتعلق بتعزيز مشاركتها في الحياة العامة، وضمان مشاركتها السياسية، وتوفير بيئة تشريعية ومؤسسية تساعدها على الوصول إلى مواقع صنع القرار.
ولهذا فإن وصول سيدة إلى المنافسة على رئاسة مجلس النواب، إن تأكدت هذه الأنباء، سيكون اختباراً عملياً لهذه الفلسفة.
فإذا كانت المرأة الأردنية قد أصبحت وزيرة، ونائب رئيس وزراء، ونائبة، وعيناً، وقاضية، وسفيرة، ومتصرّفة، وطبيبة، ومهندسة، وقائدة طائرة، ونجحت في مواقع القيادة المهنية والعسكرية والدبلوماسية، فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع المرأة أن تتولى رئاسة مجلس النواب؟
بل السؤال الحقيقي هو: هل لدينا سيدة تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة المجلس وتحظى بثقة زملائها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلا ينبغي أن يكون جنس المرشح عائقاً.
الرئاسة ليست مكافأة للمرأة.. وإنما استحقاق للكفاءة
ومن المهم هنا ألا نقع في خطأ آخر، وهو أن تتحول فكرة تمكين المرأة إلى محاصصة جديدة.
رئاسة مجلس النواب ليست جائزة للمرأة، وليست تعويضاً عن سنوات غيابها، وإنما منصب يحتاج إلى شخصية سياسية قادرة على إدارة الاختلاف، وضبط إيقاع المجلس، وفتح قنوات الحوار مع مختلف الكتل والأحزاب والحكومة، والدفاع عن هيبة المؤسسة التشريعية.
لكن في الوقت نفسه، يجب ألا تتحول هذه الشروط إلى ذريعة لإقصاء المرأة.
فالمعيار يجب أن يكون واحداً للرجل والمرأة: الكفاءة، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على القيادة، وثقة النواب.
وإذا اجتمعت هذه الصفات في نائبة أردنية، فإن انتخابها لرئاسة مجلس النواب لن يكون انتصاراً للمرأة وحدها، وإنما سيكون انتصاراً لفكرة التحديث السياسي نفسها.
الأردن الذي فتح أبواب الدولة أمام المرأة قادر على فتح باب الرئاسة
لقد قطعت الدولة الأردنية أشواطاً كبيرة في مسيرة تمكين المرأة، وتؤكد المؤشرات الرسمية الحديثة أن الأردن حقق تقدماً في التمكين السياسي، مع وصول مشاركة النساء في مجلس النواب إلى مستويات غير مسبوقة.
والآن، ربما يكون الوقت مناسباً لخطوة جديدة.
خطوة تقول إن المرأة الأردنية ليست فقط شريكة في البرلمان، وإنما يمكن أن تكون في موقع قيادي على رأس المؤسسة التشريعية، تماماً كما كانت شريكة في الحكومة والقضاء والدبلوماسية والإدارة وسائر مؤسسات الدولة.
فإذا خرجت كتلة نيابية فعلاً بمرشحة لرئاسة مجلس النواب، فإن المطلوب ألا تُقابل الفكرة بالسؤال التقليدي: لماذا امرأة؟
بل بالسؤال الأكثر عدالة وموضوعية:
لماذا لا تكون امرأة، إذا كانت تملك الكفاءة وتحظى بثقة زملائها؟
ذلك هو جوهر التحديث السياسي، وتلك هي الرسالة التي يفترض أن تصل من مجلس النواب إلى المجتمع الأردني بأسره.
فالمرأة الأردنية لم تعد تنتظر فتح الباب أمامها.
لقد أثبتت أنها قادرة على الدخول، والعمل، والإنجاز، والقيادة.
وربما آن الأوان أن نراها أيضاً تترأس مجلس النواب الأردني.