ثمة سؤال ثقافي لا يبدو مريحاً، لكنه يستحق أن يُطرح بصراحة: هل ما يزال النقد الأدبي في الأردن يقف على أرض النص، أم أن بعضه بدأ يتكئ على العلاقات والصداقات والحضور الاجتماعي أكثر مما يتكئ على روح الإبداع؟
ليس في السؤال اتهام للنقد الأردني بمجمله، ولا انتقاص من أسماء نقدية محترمة أسهمت في إثراء المشهد الثقافي الأردني والعربي، وإنما محاولة للاقتراب من ظاهرة لا يجوز أن تبقى خارج النقاش، خصوصاً حين يشعر بعض المبدعين بأن الطريق إلى الضوء لا يمر دائماً من بوابة النص، وإنما من بوابات أخرى أكثر تعقيداً.
في المشهد الثقافي الأردني، حيث يعرف معظم الفاعلين بعضهم بعضاً، وحيث تتقاطع العلاقات الشخصية مع المؤسسات والمنتديات والمنابر الثقافية، يصبح استقلال الناقد امتحاناً حقيقياً.
فالناقد ليس مجرد قارئ يمتلك أدوات النقد، وإنما هو، قبل ذلك، صاحب موقف.
ومسؤوليته الأولى أن يضع النص أمامه، ثم يقرأه بعيداً عن اسم صاحبه وموقعه وعلاقاته وشهرته.
لكن ماذا يحدث عندما يدخل الاسم إلى غرفة القراءة قبل النص؟
هنا تبدأ المشكلة.
قد يكتب ناقد عن شاعر لأنه يعرفه، أو يقرأ لروايته لأنه قريب من دائرته الثقافية، أو يمنح نصاً مساحة واسعة لأنه صادر عن اسم حاضر في المشهد، بينما يبقى نص آخر، ربما أكثر نضجاً وإبداعاً، بعيداً عن الضوء لأن صاحبه لا يمتلك شبكة العلاقات ذاتها.
وهذا لا يعني بالضرورة أن هناك قراراً مسبقاً أو مؤامرة ثقافية. أحياناً تكون المسألة أكثر بساطة وخطورة في آن واحد: المجاملة تتحول بالتدريج إلى معيار، والعلاقة الشخصية تصبح مدخلاً غير معلن إلى الاعتراف.
وعندما يحدث ذلك، يخسر النقد وظيفته الأساسية.
فالنقد ليس حفلاً لتبادل المديح، وليس شهادة مجاملة تمنح للكاتب بعد صدور كتابه، وليس وسيلة لتثبيت أسماء بعينها في واجهة المشهد.
النقد الحقيقي قد يكون قاسياً، لكنه عادل.
وقد يكون مختلفاً، لكنه صادق.
وقد يضع إصبعه على عيوب النص قبل أن يتحدث عن جمالياته.
وهذه ليست إساءة إلى المبدع، بل ربما تكون أعظم خدمة يمكن أن يقدمها الناقد له.
المبدع لا يحتاج دائماً إلى من يقول له: أنت رائع.
أحياناً يحتاج إلى من يقول له: هنا لم تكن بمستوى موهبتك.
فالكاتب الذي يسمع التصفيق وحده قد يكتشف بعد سنوات أن كثيراً من الذين صفقوا له لم يكونوا يقرأون نصه أصلاً، وإنما كانوا يقرأون علاقاتهم معه.
وهنا تكمن المفارقة.
نحن نتحدث كثيراً عن حرية الإبداع، لكننا ننسى أحياناً أن الإبداع يحتاج أيضاً إلى حرية النقد.
لا يمكن أن يكون الكاتب حراً إذا كان الناقد يخشى أن يقول الحقيقة.
ولا يمكن أن تكون الثقافة حرة إذا أصبح الاختلاف النقدي سبباً في القطيعة الشخصية.
في الثقافة الصحية، يمكن للناقد أن يختلف مع الكاتب دون أن يكرهه، ويمكن للكاتب أن يرفض رأي الناقد دون أن يعتبره خصماً.
أما حين يتحول الاختلاف إلى خصومة، والمديح إلى صداقة، والصمت إلى حسابات، فإننا نغادر فضاء الثقافة إلى فضاء العلاقات العامة.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مشهد ثقافي هو أن يتشكل ما يمكن تسميته “اقتصاد الاعتراف”؛ أسماء تحصل على مساحة متكررة، وندوات متتابعة، وقراءات نقدية متواصلة، بينما أسماء أخرى تنتظر طويلاً حتى تجد من يفتح لها نافذة.
ليس لأن الأولى أكثر إبداعاً بالضرورة، وإنما لأنها أكثر حضوراً في شبكة المشهد.
وهذا يطرح سؤالاً آخر: أين يذهب المبدع الذي لا يجيد العلاقات؟
ماذا يفعل الشاعر الذي يكتب قصيدته ثم يعود إلى بيته؟
والروائي الذي ينشغل بروايته أكثر من انشغاله بصورته؟
والقاص الذي لا يعرف كيف يصنع لنفسه حضوراً في الصالونات؟
هل يصبح أقل أهمية لأنه أقل حضوراً؟
بالطبع لا.
لكن المشكلة أن بعض المشاهد الثقافية قد تجعل الحضور يبدو وكأنه قيمة إبداعية بحد ذاته.
وهذا خطر.
فالحضور الإعلامي ليس موهبة بالضرورة، وكثرة الظهور ليست دليلاً على جودة الكتابة، وعدد الندوات لا يساوي عدد النصوص الجيدة.
قد يكون الكاتب قليل الظهور، كثير الأثر.
وقد يكون آخر كثير الظهور، قليل الأثر.
والزمن وحده قادر على كشف الفارق.
لذلك، فإن الحاجة اليوم ليست إلى المزيد من المجاملات الثقافية، وإنما إلى إعادة الاعتبار للنص.
أن يعود النقد إلى القصيدة قبل الشاعر، وإلى الرواية قبل الروائي، وإلى القصة قبل صاحبها.
أن يكون السؤال الأول: ماذا قال النص؟
كيف قاله؟
ماذا أضاف؟
هل امتلك لغته الخاصة؟
هل استطاع أن يفتح نافذة جديدة في جدار الكتابة؟
هل ترك أثراً لدى القارئ؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحكم عملية التقييم.
أما من يعرف الكاتب، ومن يختلف معه، ومن ينتمي إلى دائرته، ومن يستطيع الوصول إليه، فكلها أمور لا علاقة لها بجودة النص.
وقد يكون من المفيد أن نعترف بأن الشللية الثقافية ليست ظاهرة أردنية خالصة، لكنها تصبح أكثر وضوحاً في البيئات الثقافية الصغيرة والمتقاربة، حيث تتداخل العلاقات الشخصية مع النشاط الثقافي.
والحل ليس في قطع العلاقات.
فالثقافة بطبيعتها تقوم على التواصل.
الحل في أن نضع حدوداً واضحة بين الصداقة والحكم، وبين المجاملة والنقد، وبين العلاقة الشخصية والقيمة الإبداعية.
أن يكون الناقد صديقاً للكاتب، لكن لا يكون صديقاً لنصه بالضرورة.
وأن يكون الكاتب قادراً على تقبل النقد حتى لو جاء من شخص يختلف معه.
وأن تفهم المؤسسات الثقافية أن مهمتها ليست صناعة النجوم، وإنما اكتشاف الموهبة.
فكم من موهبة حقيقية بقيت في الظل لأنها لم تجد من يلتفت إليها؟
وكم من اسم أخذ أكثر من حجمه لأن حوله من يعرف كيف يسلط الضوء؟
إن الثقافة العادلة لا تسأل أولاً: من أنت؟
بل تسأل: ماذا كتبت؟
وهذا هو جوهر المسألة.
فالكاتب قد يستطيع أن يصنع حول نفسه دائرة من الأصدقاء، وقد يستطيع أن يحضر عشرات الفعاليات، وقد يحصل على عشرات عبارات الإطراء، لكن كل ذلك لا يصنع نصاً عظيماً.
النص وحده هو الذي يبقى.
العلاقات تفتح الأبواب، لكنها لا تصنع الموهبة.
المجاملة تمنح لحظة من الضوء، لكنها لا تمنح الكتابة خلوداً.
والنقد الذي لا يرى إلا الاسم قد ينجح في صناعة شهرة مؤقتة، لكنه يفشل في صناعة ذاكرة ثقافية حقيقية.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن نعيده إلى صدارة المشهد الثقافي الأردني هو:
هل نريد نقداً يرضي العلاقات، أم نقداً ينصف الإبداع؟
الاختيار ليس صعباً.
لأن الثقافة التي لا تنصف النصوص الجيدة تخسر مستقبلها، والثقافة التي تخشى النقد الصريح تتحول مع الوقت إلى مرآة يرى فيها الجميع أنفسهم، ولا يرى أحد الحقيقة.
وفي النهاية، سيبقى النص.
ستسقط المجاملات.
وتتغير العلاقات.
وتغلق الصالونات أبوابها.
لكن ما كُتب بصدق، وما امتلك روحاً حقيقية، سيجد طريقه إلى القارئ، ولو بعد حين.
فالإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى واسطة كي يعيش… لكنه يحتاج إلى نقد عادل كي يُرى.