
حين تعيدنا الذاكرة إلى رجالٍ لا تُنسيهم المناصب
يقال، على سبيل الطرافة، إن كثيراً من الناس في هذا الزمن أصبحت لهم “ذاكرة سمكة”؛ يتذكرون ما يخدم حاضرهم، وينسون سريعاً وجوهاً ورفاقاً وأياماً كانت بالأمس جزءاً من حياتهم.
لكن الفيسبوك يختلف عن الجميع؛ فهو لا يترك للزمن فرصة أن ينتصر على الذاكرة، ولا يسمح للأيام أن تطوي صفحاتها الجميلة، بل يفاجئنا من حين إلى آخر بذكرى قديمة، فيعيد أمام أعيننا أشخاصاً وأياماً ومواقف كنا نظن أننا نسيناها، ويذكرنا دائماً بكل ما هو جميل.
وهذه الصورة واحدة من تلك الذكريات الجميلة التي أعادها إليّ الفيسبوك اليوم.
إنها لدولة الأخ والصديق العزيز الدكتور بشر الخصاونة، رئيس الوزراء الأردني السابق، وتعود إلى قبل نحو ثماني سنوات، عندما صدرت الإرادة الملكية السامية بتعيينه سفيراً للمملكة الأردنية الهاشمية لدى الجمهورية الفرنسية. وقد بادرت يومها إلى إرسال رسالة تهنئة لدولته بهذه المناسبة، متمنياً له التوفيق والنجاح في مهمته الجديدة، ومستذكراً في الوقت ذاته أخوّةً وصداقةً تعود جذورها إلى ما يقارب ثلاثة عقود.
فقد كان لي شرف الزمالة مع أبو هاني في السفارة الأردنية في لندن قبل نحو ثلاثين عاماً. وفي تلك المرحلة، لم نكن نعرفه باعتباره صاحب منصب أو لقب، وإنما عرفناه إنساناً وأخاً وصديقاً؛ قريباً من الجميع، راقياً في تعامله، دبلوماسياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يعرف كيف يكسب القلوب قبل أن يكسب المواقف، وكيف يترك في نفوس من حوله أثراً طيباً لا تمحوه السنوات.
ولعل ما أعاد لهذه الصورة معناها اليوم ليس فقط أنها توثق مرحلة من مسيرة رجل من رجال الدولة، وإنما الرد الذي تفضل به دولة الأخ أبو هاني على رسالة التهنئة، والمرفق مع هذه الصورة.
فبعد ثماني سنوات، أجد في ذلك الرد أكثر من مجرد كلمات مجاملة يرسلها مسؤول رداً على تهنئة. أراه وثيقة صغيرة على وفاء كبير، وشهادة على أن بعض الرجال، مهما أثقلتهم المسؤوليات وتعددت مواقعهم، لا تسمح لهم الحياة بأن ينسوا من شاركهم يوماً من أيامها.
وهنا تحديداً تظهر معادن الرجال.
فليس كل من ارتقى في سلم المناصب ارتقى في سلم الوفاء، وليس كل من ازدحمت حوله المسؤوليات بقيت في ذاكرته وجوه الأمس. هناك من تغيّره المناصب، ومن تأخذه أضواء المواقع بعيداً عن أصدقاء الطريق، وهناك آخرون كلما ارتفعت مواقعهم ازدادوا تواضعاً، وبقيت ذاكرتهم عامرة بالناس الذين أحبوهم وعاشوا معهم تفاصيل البدايات.
ولذلك أجد في رد أبي هاني بعد كل هذه السنوات دلالة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: أن الذاكرة الحقيقية لا تقاس بعدد ما نتذكره، وإنما بقيمة من نتذكرهم؛ وأن الصداقة الصادقة لا تسقط بالتقادم، ولا تضعفها المسافات، ولا تحجبها الحواجز التي تصنعها المناصب.
لقد انتقل الرجل خلال هذه السنوات من موقع إلى آخر، وتقلّد مسؤوليات وطنية كبيرة، ووصل إلى رئاسة الحكومة؛ وهي مسؤوليات كفيلة بأن تبتلع من وقت الإنسان وذاكرته الكثير. ومع ذلك، بقيت مساحة في الذاكرة لأصدقاء ورفاق قدامى، لم تستطع مشاغل الحياة أن تمحوهم.
وهذه، في رأيي، إحدى أجمل صفات الكبار: أن تكبر مواقعهم من دون أن تصغر في أعينهم قيمة الناس الذين عرفوهم قبل أن تكبر تلك المواقع.
شكراً للفيسبوك الذي أعاد إليّ اليوم هذه الذكرى، وأعاد معها زمناً جميلاً من أيام العمل الدبلوماسي في لندن، ووجهاً عزيزاً من وجوه تلك المرحلة.
وشكراً للحياة التي منحتني فرصة أن ألتقي بأناسٍ لا تكون صداقتهم مرتبطة بمنصب، ولا قربهم مرتبطاً بمصلحة، ولا ذاكرتهم مرتبطة بظرف.
فالمناصب تتغير، والوظائف تنتهي، والألقاب تتبدل، لكن الرجال الذين يسكنون القلب لا يغادرونه.
كل المحبة والاعتزاز لأخي وصديقي العزيز أبو هاني، مع خالص الدعاء له بالتوفيق والصحة والعافية.
أما الفيسبوك، فله فضل آخر علينا:
إن كان الزمن يأخذ منا الكثير، فإنه بين حين وآخر يعيد إلينا أجمل ما أخذ… صورة، أو اسماً، أو موقفاً، أو إنساناً، فنكتشف أن بعض الأشياء الجميلة لم ننسها أبداً، وإنما كانت تنتظر فقط من يوقظ ذاكرتنا بها.