لندن: محمد الطّورة
أعيش في الغرب منذ أربعة عقود، وخلال هذه السنوات لم أسمع يوماً أن حاشية مسؤول تمتلك نفوذاً يتجاوز نفوذ مؤسسات الدولة، أو أن مسؤولاً يستطيع أن يتصرف بالمال العام كما يشاء دون رقيب أو حسيب، تحت أي مبرر كان. فالسلطة هنا مؤسسات، والمال العام أمانة، والصلاحيات مهما اتسعت تبقى خاضعة للقانون والرقابة والمساءلة.
في كثير من الدول، لا تكون المشكلة في الحاكم بقدر ما تكون أحياناً في بعض المحيطين به؛ أولئك الذين تحول قربهم من صاحب القرار إلى نفوذ، وتحول النفوذ إلى امتيازات وعطايا وبذخ وهدر للمال، والتجاوز على حقوق الناس والتميز بينهم بعيداً عن الرقابة والمساءلة.
الأخطر أن بعض هؤلاء يوحي بأن ما يحصل عليه أو يقوم به إنما هو بأوامر من «فوق»، مستنداً إلى قربه من المسؤول، ومعتقداً أن أحداً لن يجرؤ على مساءلته.لكنه بذلك لا يحمي الحاكم، بل يحمّله مسؤولية تصرفات قد لا يكون على علم بتفاصيلها، ويزرع في نفوس الناس شعوراً بأن هناك من هم فوق القانون. ولا يقتصر الأمر على الحاشية والمقربين بالمعنى المباشر، فهناك أيضاً بعض أصحاب المناصب العليا وزراء وقادة أجهزة الذين يستغلون ما مُنح لمؤسساتهم من استقلالية مالية وإدارية في توزيع المناصب والمكاسب والامتيازات على البعض، ليس بالضرورة لخدمة الوطن أو حتى لمصلحة المؤسسة، وإنما لضمان ولائهم للمؤسسة ورئيسها.ء ومع مرور الوقت، يتحول الولاء من الوطن والدولة إلى الأشخاص، وتتكون دائرة من المستفيدين يصبح بقاؤهم مرتبطاً ببقاء من منحهم تلك الامتيازات.
فالاستقلالية المالية والإدارية وُجدت لحماية المؤسسات وتمكينها من أداء دورها، لا لتصبح غطاءً لصناعة النفوذ وتوزيع المكاسب بعيداً عن الرقابة والمساءلة. وحين تتحول الصلاحيات إلى وسيلة لشراء الولاءات، فإن الخطر لا يعود على المال العام وحده، بل يمتد إلى هيبة الدولة وثقة المواطن بها.
وحين يرى المواطن مظاهر البذخ والترف والإنفاق على المقربين، في وقت يُطلب منه التحمل وشد الأحزمة، فمن الطبيعي أن يتساءل: من أين تأتي هذه الأموال؟ ومن يراقب؟ ومن يحاسب؟
لقد انتهى زمن المواطن المغيب. فوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت الأبواب المفتوحة أكثر من أي وقت مضى، وما كان يمكن إخفاؤه بالأمس قد يصبح اليوم صورة أو مقطعاً أو كلمة يتداولها الملايين.
والأخطر أن المقرب الذي ينسب تصرفاته إلى «رغبة المسؤول» قد يورط من يحتمي باسمه؛ لأن الناس لا تملك دائماً القدرة على التمييز بين ما صدر فعلاً عن صاحب القرار وما نسبه إليه المحيطون به لتبرير أفعالهم.
إن الحاشية الصالحة هي التي تحمي المسؤول من الخطأ، لا التي تحتمي باسمه عند الخطأ. وهي التي تنقل إليه الحقيقة، لا التي تحجب عنه ما لا تريد له أن يعرفه.
فالنفوذ قد يؤخر المساءلة، لكنه لا يلغيها، والمال قد يشتري بعض الولاءات، لكنه لا يشتري رضا الناس إلى الأبد.
وفي زمن أصبحت فيه الكلمة تصل إلى الجميع، فإن ما يُقال خلف الأبواب قد يصبح غداً حديث الملأ على أوسع نطاق.
وعندها قد يكتشف الحاكم أن أخطر من يسيء إلى صورته ليس خصمه البعيد، وإنما المقرب الذي ظن أن قربه منه يحميه… فحوّل القرب من السلطة إلى عبء عليها.