حين يقول وزير سابق إن منصب لقب «معالي» مش «واو»، يحق لنا أن نسأل: هل كان يتحدث معالية عن تجربته الشخصية، أم يمنح نفسه حق تصنيف لقب رسمي للدولة؟
يقول الوزير السابق إن منصب الوزير «مش واو»… وربما تكون هذه الجملة، لو قيلت من مواطن عادي، مجرد رأي عابر، لكنها حين تصدر عن شخص جلس على مقعد الوزارة وحمل لقب «معالي»، فإنها تستحق شيئًا من التوقف والتأمل.
ليس السؤال هنا: هل لقب معالي «واو» أم « مش واو»؟
السؤال الأهم: ماذا تعني الوزارة ولفب معالي لمن وصل إليه، وماذا تعني للمواطن الذي يرى في المنصب العام مسؤولية وثقة وتكليفًا قبل أن يكون وجاهة أو لقبًا؟
فالوزارة في الدولة ليست كرسيًا فاخرًا، ولا لقبًا يضاف إلى الاسم، ولا محطة اجتماعية لرفع المكانة. هي مسؤولية عامة، وقرار يمس حياة الناس، وثقة سياسية لا تُمنح لكل أحد.
وإذا كان الوزير السابق يرى أن المنصب «مش واو»، فهذا حقه في تقييم تجربته، بل ربما يكون من حقه أن يقول إن المنصب الوزاري لم يغيّر شيئًا في شخصيته أو قيمته أو نظرته إلى نفسه.
لكن المفارقة تبدأ عندما يأتي التقليل من قيمة المنصب بعد مغادرته.
فلو أن الوزير قال وهو على كرسي الوزارة: «الوزارة ولقب معالي «مش واو» وأنا أتعامل معها باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا»، لكان الكلام أقرب إلى الزهد في المنصب والتواضع أمام المسؤولية.
أما أن يصبح المنصب واللقب «مش واو» بعد أن ينتهي، فهنا يحق للناس أن تسأل:
هل المنصب وما ترتب عليه من لقب كان فعلًا غير مهم، أم أن أهميته تتغير بحسب موقع الشخص منه؟
واللافت أن حديث معاليه لم يخلُ من الإشارة إلى أن والده وجده وخاله وعمه كانوا وزراء، وأن لقب «معالي» ليس غريبًا عن البيت الذي تربى فيه.
وهذا بحد ذاته ليس عيبًا ولا منقصة؛ فخدمة الوطن ليست إرثًا مشينًا، ووجود أكثر من وزير في عائلة واحدة لا ينتقص من أحد.
لكن المفارقة تظل قائمة:
إذا كان لقب «معالي» والمنصب الوزاري «مش واو»، فلماذا استحضار قائمة «المعالي» في العائلة عند الحديث عن التجربة؟
فالوزارة لا تُقاس بعدد الوزراء في العائلة، ولا قيمة الوزير بما كان عليه أبوه أو جده أو خاله أو عمه، وإنما بما قدمه هو.
ثم هناك سؤال آخر أكثر طرافة:
إذا كان معاليه زاهدًا فعلًا في لقب «معالي»، فهل سيطلب معاليه التنازل عنه بشكل رسمي؟
وللتوضيح والتذكير فإن الدستور الأردني لا يتعامل مع الألقاب الرسمية باعتبارها ملكية شخصية يستطيع صاحبها أن يمنحها لنفسه أو يسحبها من نفسه أو يقلل من شأنها متى شاء. كما أن الدستور الأردني ينص على أن الملك هو الذي «ينشئ ويمنح ويسترد» الرتب المدنية والعسكرية والأوسمة وألقاب الشرف الأخرى، وله أن يفوض هذه السلطة بقانون خاص. ولذلك فإن المسألة ليست مجرد قرار شخصي يقول فيه صاحب اللقب: أنه ” مش واو”
والملاحظ أن الموقع الرسمي لرئاسة الوزراء ما زال يورد الوزير بصيغة «معالي »، ويسجل توليه سابقاً منصب وزير الدولة لشؤون الإعلام .
فإذا كان لقب «معالي» «مش واو»، كما قال الوزير فهذا صحيح بمعنى واحد فقط:
أن اللقب وحده لا يصنع قيمة صاحبه.
وهذه نقطة نتفق عليها تمامًا.
القيمة في الإنجاز.
القيمة في الموقف.
القيمة في النزاهة.
القيمة في أن يغادر المسؤول مكتبه، فيجد الناس شيئًا حقيقيًا يمكن أن يقولوا عنه: نعم، هذا الرجل ترك أثرًا.
أما الوزارة بحد ذاتها، فهي ليست جائزة ولا مكافأة ولا امتيازًا اجتماعيًا.
إنها امتحان.
والامتحان لا يُقاس بفخامة الكرسي، بل بالنتيجة التي يخرج بها الناس بعد انتهاء الامتحان.
لذلك، ربما الأدق من القول إن منصب الوزير «مش واو» أن نقول:
الوزارة «مش واو» إذا كان الهدف منها اللقب.
لكنها «واو» وأكثر، إذا فهم صاحبها أنها واحدة من أثقل المسؤوليات التي يمكن أن يتحملها الإنسان تجاه وطنه.
فالمنصب يمر، واللقب يمر، والسيارة والمكتب والمراسم كلها تمر.
أما الأثر… فيبقى.
ولهذا لا ينبغي أن نسأل الوزير السابق: هل كانت الوزارة «واو»؟
بل نسأله سؤالًا أصعب:
بعد أن غادرت الوزارة… ماذا بقي من «واو» التجربة في حياة الناس؟
أما على الصعيد الشخصي، فإنني أرى أن لقب «معالي»، أو أي لقب أو وسام يصدر بإرادة ملكية سامية من جلالة الملك عبدالله الثاني، ليس فقط «واو»…
بل هو «واو» وألف واو.
لأن قيمة اللقب ليست في حروفه، ولا في بريقه، ولا في نظرة صاحبه إليه، وإنما في الجهة التي منحته، وفي الثقة الملكية السامية التي تقف وراءه.
قد يرى البعض أن «معالي» مجرد لقب، وقد يراه آخرون أمرًا عاديًا بحكم اعتيادهم عليه، لكنني أراه تكريمًا ساميًا ومسؤولية قبل أن يكون وجاهة.
ولذلك، عندما يقول صاحب اللقب إن «معالي» مش «واو»، فذلك رأيه الشخصي الذي نحترمه.
أما نحن، فسنظل نرى في الألقاب والأوسمة التي تتفضل بها الإرادة الملكية السامية «واو» وألف واو؛ لأنها تحمل في معناها قيمة التكريم، وهيبة الدولة، وثقة القيادة.
فالـ«واو» ليست في اللقب وحده… وإنما فيمن منحه، ولماذا مُنح، وماذا يفعل صاحبه بعد أن مُنح.