لندن: محمد الطّورة
في الحياة السياسية، لا تكمن المفارقة دائماً في المناصب التي يتولاها الأشخاص، بل أحياناً في العبارات التي تُقال لتبرير الوصول إلى تلك المناصب. بعض العبارات قد تمرّ في لحظتها كإجابة عابرة، لكنها تبقى في الذاكرة، خصوصاً عندما تعود الأيام وتضع أصحابها أمام موقف يشبه الموقف القديم، ولكن بظروف مختلفة.
وهذه الحكاية تعود بنا إلى ما يقارب ثلاثة عقود، إلى مرحلة كان فيها أحد رؤساء الوزراء السابقين عضواً في أحد الأحزاب السياسية الأردنية، وذلك قبل أن يصبح وزيراً وقبل أن يتولى رئاسة الوزراء.
في ذلك الوقت، عقد الحزب اجتماعاً، وناقش أعضاؤه مسألة المشاركة في الحكومات، وانتهوا إلى قرار واضح يقضي بعدم مشاركة أي من أعضاء الحزب في الحكومة. وكان القرار محل اتفاق وموافقة الجميع، بمن فيهم الشخص الذي نتحدث عنه.
لكن بعد انتهاء الاجتماع، وصل إلى مسامع أعضاء الحزب أن هذا الشخص قرر دخول الحكومة وتولي حقيبة وزارية.
وهنا بدأت الأسئلة.
كيف تقبل دخول الحكومة، ونحن اتفقنا جميعاً على ألا يدخل أي عضو فيها؟
كان الرد الذي قيل يومها:
«أنا أصدع لرغبة جلالة الملك».
ربما كانت هذه الإجابة كافية لإنهاء النقاش بالنسبة إلى صاحبها، لكنها لم تكن مقنعة لكثير من أعضاء الحزب، الذين كانوا من أصحاب الفكر والثقافة، ويدركون طبيعة النظام السياسي الأردني وآليات تشكيل الحكومات، ويعرفون أن جلالة الملك لا يتدخل عادة بصورة مباشرة في تسمية كل وزير من الوزراء.
ولهذا، لو كانت الإجابة يومها: «هناك جهات طلبت مني ذلك»، لربما وجدها البعض أكثر قابلية للنقاش، خصوصاً أن لدى شريحة من المواطنين اعتقاداً بأن بعض الجهات قد يكون لها تأثير في اختيار بعض الوزراء. وهذا اعتقاد لا أتبناه شخصياّ ، وإنما أذكره هنا في سياق الحكاية فقط.
على أي حال، دخل الرجل الحكومة وزيراً، ولم تكن تلك أول مرة أو آخر مرة يتولى فيها حقيبة وزارية، بل تكررت التجربة لاحقاً، إلى أن وصل في مرحلة من مراحل حياته السياسية إلى رئاسة الوزراء.
وهنا تنتهي الحكاية القديمة… أو هكذا كنا نعتقد.
فبعد ما يقارب ثلاثة عقود، يعود دولة الرئيس السابق إلى المشهد العام من بوابة الجامعات، بعد تعيينه رئيساً لمجلس أمناء إحدى الجامعات الأردنية.
وهنا استوقفتني الواقعة الجديدة، وأعادت إلى ذاكرتي العبارة القديمة.
ليس لأن رئاسة مجلس أمناء جامعة منصب قليل الأهمية، ولا لأن المقارنة بين هذا الموقع ومنصب رئيس الوزراء أو الوزير هي مقارنة بين منصبين متشابهين؛ فلكل موقع طبيعته ومسؤولياته وأهميته.
لكن ما يستوقفني هو فكرة الرغبة ذاتها.
فإذا كان الرجل قد قال قبل نحو ثلاثة عقود إنه دخل الحكومة لأنه «يصدع لرغبة جلالة الملك»، فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، من باب المفارقة لا الاتهام:
هل صدع دولة الرئيس هذه المرة لرغبة وزير التعليم العالي، فوافق على تولي هذا المنصب؟
أم أن الصورة معكوسة تماماً؟
هل كان الوزير هو من صدع لطلب دولة الرئيس، ورأى أن من المناسب أن يتولى دولة الرئيس السابق رئاسة مجلس أمناء الجامعة؟
ومن هو صاحب المبادرة أصلاً؟
هل عرض الوزير الأمر على دولة الرئيس؟
أم أن دولة الرئيس أبدى رغبته، فوجد الوزير أن من المناسب الاستجابة؟
أم أن أحداً لم يطلب من أحد شيئاً، وأن الأمر جاء ببساطة ضمن الإجراءات والاختيارات المعتادة؟
الحقيقة أنني لا أملك إجابة عن أي من هذه الأسئلة، ولذلك لا أريد أن أضع إجابة من عندي.
لكن طرح السؤال مشروع، خصوصاً عندما تكون هناك حكاية قديمة تستدعيها واقعة جديدة.
ولعل أكثر ما يثير الفضول في هذه القصة هو أن العبارة نفسها يمكن أن تعود، ولكن مع تغيير الأسماء والمواقع:
قبل نحو ثلاثة عقود كان الحديث عن رغبة الملك.
واليوم، ونحن أمام تعيين جديد، يصبح السؤال:
رغبة مَن كانت وراء هذا الاختيار؟
قد تكون رغبة الوزير، وقد يكون طلب دولة الرئيس، وقد لا تكون هناك رغبة خاصة من أي طرف، وإنما اختيار مؤسسي عادي.
وفي كل الأحوال، تبقى الإجابة عند أصحاب العلاقة.
أما نحن، فليس أمامنا سوى السؤال، لا أكثر.
ففي السياسة، أحياناً لا تكون أهمية السؤال في أن نعرف إجابته فوراً، وإنما في أن نلفت الانتباه إلى المفارقة التي جعلتنا نطرحه.
والسؤال هنا، بكل بساطة:
هل صدع دولة الرئيس لرغبة الوزير… أم أن الوزير هو من صدع لطلب الرئيس؟