لندن: محمد الطورة
حين يحنّ الكبار إلى الكرسي
ثمة ظاهرة تكاد تستعصي على التفسير، وربما ينفرد بها الأردن بصورة لافتة، هذه الظاهرة حتى لو عُرضت على كبار المفسرين في علم الاجتماع والسياسة والإدارة العامة، لوقفوا أمامها طويلاً بحثًا عن تفسير مقنع لها.
إنها ظاهرة تهافت بعض كبار رجال الدولة، بعد مغادرتهم مواقعهم، على العودة إلى الوظيفة العامة بكل الوسائل والطرق، ولو كانت الوظيفة التي يسعون إليها أقل بكثير من المواقع التي شغلوها في السابق.
فعلى ما يبدوا أن هناك ثمة بريق غامض للوظيفة العامة لا يدركه، في الغالب، إلا من عاش داخلها. بريق لا يرتبط دائمًا بالراتب أو المسمى الوظيفي أو الامتيازات، وإنما بشعور المكانة، وبذلك الإحساس الذي تمنحه السلطة حين تصبح جزءًا من يوم الإنسان وحياته وعلاقاته.
ولعل هذا يفسر شيئًا من المشهد الذي نراه أحيانًا بعد مغادرة بعض كبار المسؤولين مواقعهم. فهناك من لا يبدو قادرًا على مغادرة الوظيفة العامة بالقدر الذي غادر به مكتبه. يخرج من الموقع، لكنه لا يخرج من الرغبة في البقاء قريبًا من الكرسي، ولو من باب آخر، ولو في موقع أقل بكثير مما بلغه ذات يوم.
ولا تكون المشكلة في أن يستمر الإنسان في خدمة بلده؛ فالخبرة الوطنية ثروة، والدولة تحتاج إلى خبرات رجالها ونسائها في مواقع متعددة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبة في العودة إلى سعي شخصي خلف الوظيفة، وعندما تصبح العلاقات القديمة وسيلة لإعادة فتح الأبواب التي أُغلقت، وعندما يتحول ما كان يومًا خدمة عامة إلى ما يشبه حقًا مكتسبًا في البقاء داخلها.
الأكثر إيلامًا أن بعض هذه المحاولات لا تتم عبر الطريق الطبيعي الذي يسلكه الباحثون عن العمل، وإنما عبر أبواب خاصة: صديق قديم، قريب، زميل سابق، ابن منطقة، أو مسؤول يجلس اليوم على كرسي كان صاحبه بالأمس واحدًا ممن ساعدوا في الوصول إليه.
وهنا يدخل مفهوم “رد الجميل” إلى المكان الخطأ.
فمن السهل أن يتحول الجميل الشخصي، في مثل هذه الحالات، إلى عبء على المصلحة العامة. يصبح منطق العلاقة أقوى من منطق الاستحقاق، وتصبح الخدمة القديمة سندًا للحصول على خدمة جديدة، حتى لو كانت النتيجة أن يأخذ صاحب النفوذ السابق مقعدًا كان يمكن أن يكون فرصة أولى لشاب لم يبدأ بعد.
هذه ليست قضية أشخاص بقدر ما هي قضية ثقافة.
ثقافة تجعل بعض الذين أمضوا سنوات طويلة في مواقع المسؤولية يشعرون أن الوظيفة العامة لا تزال مدينة لهم بشيء، وأن مغادرتها لا تعني بالضرورة إفساح المجال لغيرهم، وإنما تعني البحث عن مدخل آخر إليها.
لكن الدولة ليست دفتر حسابات شخصية.
ومن خدم الدولة سنوات طويلة يستحق التقدير، وربما يستحق أن تستفيد الدولة من خبرته حين تحتاج إليها، ولكن الخبرة لا تعني الامتلاك، والتاريخ الوظيفي لا يمنح صاحبه حقًا دائمًا في مقعد عام.
فالوظيفة العامة ليست إرثًا ينتقل من جيل إلى جيل داخل دائرة محدودة من أصحاب العلاقات.
والأخطر من عودة مسؤول سابق إلى وظيفة أقل من منصبه ليس في الوظيفة نفسها، وإنما في الرسالة التي تصل إلى الشباب.
الشاب الذي أنهى دراسته، وانتظر فرصة، وطرق أبواب المؤسسات دون أن يجد واسطة، ماذا يشعر عندما يرى رجلًا متقدم في العمر وصل إلى قمة السلم الوظيفي يعود ليستأثر بدرجة كانت يمكن أن تكون أول درجة في سلم شاب آخر؟
ربما لا يحتاج ذلك الشاب إلى إجابة.
يكفيه أن يرى المشهد.
فالمجتمعات لا تُحبط الشباب بالكلمات فقط، وإنما بالمشاهد التي تقول لهم، من دون أن تنطق: إن الطريق ليس دائمًا لمن يستحق، وإن العلاقات قد تكون أقصر من الكفاءة، وإن من عرف الطريق إلى الكرسي مرة يستطيع أن يجد إليه طريقًا ثانية.
وهنا تحديدًا ينبغي على أصحاب الخبرة والمكانة أن يكونوا أكثر قسوة على أنفسهم.
فالإنسان لا يقاس فقط بما حققه، وإنما أيضًا بقدرته على معرفة اللحظة التي ينبغي فيها أن يترك المجال لغيره.
وقد تكون أعظم خدمة يستطيع مسؤول سابق أن يقدمها بعد مغادرة موقعه هي ألا يبحث عن موقع جديد، بل أن يساعد جيلًا جديدًا على الوصول.
أن يتحول من منافس على الفرصة إلى صانع للفرص.
ومن طالب لدين قديم إلى مانح لفرصة جديدة.
ومن رجل اعتاد أن تفتح له الأبواب إلى رجل يفتح الأبواب أمام من لا يملك مفتاحًا.
ذلك هو المعنى الحقيقي لرد الجميل للوطن.
أما أن يستدعي الإنسان خدمات الماضي لكي يحصل على وظيفة في الحاضر، وأن يطلب من الذين وصلوا إلى مواقعهم بمساعدته أن يردوا له الجميل من الوظيفة العامة، فذلك ليس ردًا للجميل بقدر ما هو تحميل للمصلحة العامة فاتورة علاقة شخصية.
ولا ينبغي أن يكون الشباب هم من يدفعون هذه الفاتورة.
أنا لا أقول هذا انتقاصًا من وظيفة حكومية عملت فيها يومًا، ولا تقليلًا من قيمة الخدمة العامة التي أعتز بأنني كنت جزءًا منها. بل إن تقديري لها هو ما يجعلني أكثر حرصًا على أن تبقى الوظيفة العامة مساحة للجدارة، والخبرة، وتكافؤ الفرص، لا مساحة لاستمرار النفوذ بعد انتهاء المنصب.
لقد أخذ جيل من الكبار فرصته كاملة، وصعد درجات السلم واحدة تلو الأخرى، ووصل بعضه إلى أعلى المواقع.
وحان الوقت، ببساطة، لأن يتذكر أن السلم لا ينبغي أن يبقى مشغولًا بمن وصلوا إلى قمته.
ففي أسفله يقف شباب ينتظرون أول درجة.
وربما لا يريد هؤلاء الشباب أكثر من فرصة عادلة.
اتركوا لهم بعض السلم.