كتب المحرر السياسي
حين يتحول طول البقاء في المنصب إلى نفوذ يبعد الكفاءات لصالح بقاء الرجل الثاني في الوزارة: تصبح الحاجة ملحة إلى مراجعة القرارات الإدارية التي ينسب بها الأمين العام.
ليست المشكلة دائماً في القرار الإداري ذاته، وإنما قد تكمن في البيئة التي يُتخذ فيها القرار، وفي مدى استقلالية صاحبه، وفي طبيعة النفوذ الذي يتراكم حول بعض المواقع القيادية عندما يطول شاغلوها سنوات طويلة.
فالمناصب الإدارية العليا في الوزارات كوظيفة الأمين العام ليست ملكية شخصية، ولا يفترض أن تتحول بمرور الزمن إلى مراكز نفوذ يصعب تغييرها أو مساءلتها. وكلما طالت مدة بقاء المسؤول في موقعه، ازدادت معرفته بتفاصيل المؤسسة وشبكة علاقاتها ومفاصل اتخاذ القرار فيها، وهي معرفة يمكن أن تكون عاملاً إيجابياً إذا استُخدمت لخدمة الوزارة، لكنها قد تتحول عند البعض إلى مصدر خلل عندما تقترن بضعف الرقابة والمراجعة وتضخم النفوذ.
وتزداد خطورة هذه الحالة عندما يتعلق الأمر بقرارات تمس مستقبل كبار الموظفين، وفي مقدمتها الإقالات والتنقلات والإعفاءات وإعادة توزيع المسؤوليات. فهذه القرارات ليست مجرد إجراءات إدارية عابرة، وإنما لها آثار مباشرة على استقرار المؤسسة وكفاءة العمل وعلى مستقبل أشخاص أمضوا سنوات في خدمة الدولة.
ومن هنا، فإن أي قرار من هذا النوع ينبغي أن يخضع لمعايير واضحة ومعلنة، وأن تكون له أسباب مهنية وإدارية يمكن الدفاع عنها، بعيداً عن تصفية الحسابات أو إقصاء أصحاب الخبرة أو فتح المجال أمام مجموعة محددة للسيطرة على مفاصل الوزارة.
عندما تصبح الوزارة أسيرة الأشخاص
المؤسسة القوية هي التي تستمر وتعمل بكفاءة مهما تغير الأشخاص الذين يتولون إدارتها. أما المؤسسة التي يرتبط جزء كبير من استقرارها بشخص واحد، أو يصبح فيها مسؤول معين صاحب تأثير يفوق حدود منصبه، فهي بحاجة إلى مراجعة جادة لمنظومة الإدارة والرقابة فيها.
ولذلك فإن استمرار المسؤول في موقع حساس لفترات طويلة ينبغي ألا يكون أمراً تلقائياً. فالتجديد الدوري في المواقع القيادية لا يعني بالضرورة التشكيك في نزاهة المسؤول أو كفاءته، وإنما يمثل إحدى وسائل منع تراكم النفوذ وتعزيز مبدأ التداول الإداري وإتاحة الفرصة لقيادات أخرى للمساهمة في تطوير المؤسسة.
المطلوب ليس استبدال الأشخاص لمجرد الاستبدال، وإنما وضع ضوابط تمنع تحول المنصب إلى وضع دائم، وتضمن أن يكون بقاء المسؤول مرتبطاً بالكفاءة والنتائج والمصلحة العامة، لا بطول مدة شغله للمنصب أو قدرته على بناء شبكة نفوذ داخل المؤسسة.
الإقالات والتنقلات تحتاج إلى تدقيق خاص
من أكثر الملفات التي تستوجب المراجعة قرارات الإقالة والنقل والإعفاء من المسؤولية، خصوصاً عندما تتكرر خلال فترة زمنية قصيرة أو تطال مجموعة من كبار الموظفين.كما حصل في الأسابيغ الماضية عندما حصلت هجمة كبيرة في الإعلام على الوزير بعد أنهاء خدمات عدد من كبار المسؤلين في أحد الوزارات والتي تحمل وزرها الوزير كونه الذي يوقع القرارات بعد تنسيب الأمين العام.
وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة مستقلة وموضوعية لهذه القرارات: ما أسبابها؟ هل استندت إلى تقييمات أداء موثقة؟ هل طبقت المعايير ذاتها على الجميع؟ هل كانت هناك حاجة فعلية إليها؟ وهل ترتب عليها تحسين أداء الوزارة أم مجرد تغيير في مواقع الأشخاص؟
إن مراجعة هذه القرارات لا تعني بالضرورة إلغاءها أو الطعن في جميعها، وإنما تعني التأكد من سلامة الإجراءات، وتوافر الأسباب الموضوعية، وعدم استخدام الصلاحيات الإدارية لأهداف تتعارض مع المصلحة العامة.
الوزير أيضاً يحتاج إلى حماية مؤسسية
قد يجد الوزير نفسه أمام قرارات أو توصيات أُعدت له من الأمين العام بمساعدة الأجهزة الإدارية المحيطة به، فيوقع عليها باعتبارها جزءاً من العمل التنفيذي المعتاد. لكن مسؤولية الوزير السياسية والإدارية تجعل من الضروري أن تتوافر له آليات تحقق ومراجعة قبل اتخاذ القرارات الحساسة، ولا سيما تلك المتعلقة بكبار الموظفين.
ولهذا فإن حماية الوزير لا تكون بإبعاده عن التفاصيل، وإنما بإنشاء منظومة مؤسسية تمنع احتكار المعلومات والتوصيات من جهة واحدة، وتتيح له الاستماع إلى أكثر من رأي قبل اتخاذ القرارات التي قد تترك آثاراً كبيرة على الوزارة.
المطلوب ليس شخصنة القضية
المسألة في جوهرها ليست مرتبطة بشخص بعينه، وإنما بمبدأ إداري يجب أن يحظى باهتمام أكبر: لا ينبغي أن يسمح لأي مسؤول، مهما كانت خبرته أو كفاءته، بأن يتحول طول بقائه في موقعه إلى نفوذ غير قابل للمراجعة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مدد شغل المناصب القيادية الحساسة، ووضع آليات دورية لتقييم أداء شاغليها، مع تعزيز الرقابة على القرارات المتعلقة بالإقالات والتنقلات والإعفاءات، خصوصاً عندما يكون المسؤول صاحب القرار أو صاحب التأثير المباشر فيها.
فالوزارة ليست مزرعة لأحد، والمنصب العام ليس امتيازاً شخصياً، والموظفون ليسوا أدوات في صراع النفوذ. الوزارة مؤسسة لخدمة الدولة والمواطن، وكل قرار يصدر باسمها يجب أن يكون هدفه الأول تحسين الأداء وتحقيق المصلحة العامة.
إن مراجعة القرارات الإدارية الحساسة، ومراجعة مدد بقاء المسؤولين في المواقع القيادية، ليستا إجراءين عقابيين، بل هما من صميم الحوكمة الرشيدة. وكلما كانت المؤسسة أكثر شفافية في قراراتها، وأقل اعتماداً على الأشخاص، وأكثر قدرة على مراجعة أخطائها، أصبحت أكثر حصانة من النفوذ الشخصي ومن القرارات الكيدية، وأكثر قدرة على حماية الوزير والموظف والمصلحة العامة في آن واحد.
المطلوب اليوم ليس البحث عن كبش فداء، وإنما بناء قواعد تمنع تكرار المشكلة. فالمؤسسات القوية لا تُدار بالأشخاص، بل بالأنظمة، والرقابة، وتكافؤ الفرص، والمساءلة.