لندن: محمد الطّورة
بين ما أراه في أوروبا وما نعيشه في عالمنا العربي
العيش في أوروبا لم يجعلني أنظر إلى واقعنا العربي من بعيد، بل جعلني أراه من زاوية مختلفة تماماً. فعندما تعيش في مجتمع يشعر فيه الإنسان أن صوته له قيمة، وأن اختلافه مع السلطة حق وليس جريمة، وأن القرارات التي تمس حياته ليست شأناً يقرره فرد أو دائرة مغلقة، تبدأ في طرح أسئلة مؤلمة عن واقعنا: لماذا حُرم المواطن العربي في بعض بلداننا من الشعور نفسه بأنه شريك في وطنه، وليس مجرد متلقٍ لقرارات تُتخذ باسمه؟
أرى شعوباً تعيش في ظل قدر كبير من الاستقرار والأمان، وتمارس حياتها ونشاطاتها بحرية واسعة، وتملك مساحة حقيقية للتعبير عن آرائها وانتقاد سياسات حكوماتها، بل والمشاركة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في القرارات التي تمس حاضرها ومستقبلها. قد تختلف هذه المجتمعات مع حكوماتها، وقد تعارض قراراتها، وقد تنتقد سياساتها الداخلية والخارجية، لكن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة الخوف من التعبير عنه.
وفي المقابل، أتساءل: لماذا تبدو الصورة مختلفة في بعض دولنا العربية؟
لماذا يمكن أن تتركز القرارات المصيرية في يد شخص واحد أو دائرة ضيقة، بينما يبقى المواطن بعيداً عن المشاركة الحقيقية في القرارات التي تحدد مستقبله؟
ولماذا يصبح التعبير عن الرأي في بعض مجتمعاتنا مقيداً بالحدود التي تتوافق مع توجهات الدولة، وكأن الاختلاف في الرأي تهديد، وليس حقاً من حقوق المواطن؟
أنا لا أقول إن التجربة الأوروبية كاملة، ولا إن دول أوروبا خالية من المشكلات أو الأخطاء. لكنها تطرح أمامنا سؤالاً يستحق أن نتوقف عنده:
كيف استطاعت بعض المجتمعات أن تبني أنظمة تسمح بالاختلاف والمساءلة وتداول السلطة، بينما لا تزال مجتمعات عربية تعاني من الفردية في اتخاذ القرار، ومن الخوف من النقد، ومن غياب المشاركة الشعبية الحقيقية؟
والأهم من ذلك كله:
لماذا يدفع المواطن العربي أحياناً ثمن قرارات لم يشارك في صنعها، ولم يُستشر فيها، وربما لم يكن موافقاً عليها من الأساس؟
من هنا تبدأ الحكاية، ومن هنا أيضاً يبدأ السؤال الأكبر: هل آن الأوان لأن يصبح المواطن شريكاً حقيقياً في صناعة مستقبل وطنه، لا مجرد متلقٍ لقرارات تُتخذ باسمه؟
سؤال قد يبدو بسيطاً، لكنه يختصر مأساة شعوب المنطقة: لماذا يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن خيارات قادته، وثمن تحالفاتهم وصراعاتهم، بينما تبقى القوى الكبرى حرة في تغيير سياساتها متى تغيرت مصالحها؟
الدول الكبرى لا تتحرك بدافع الصداقة. الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا وغيرها تتحرك وفق مصالحها: أمن، اقتصاد، طاقة، أسواق ونفوذ. وهذا حقها في منطق السياسة الدولية.
لكن السؤال هو: لماذا لا تتعامل دول منطقتنا مع العالم بالمنطق نفسه؟
لماذا يصبح التحالف مع قوة كبرى أحياناً التزاماً طويل الأمد، بينما تستطيع تلك القوة أن تغيّر موقفها عندما تتغير حساباتها؟
ولماذا يتحول الخلاف بين القادة إلى صراع تدفع الشعوب ثمنه بالفقر والبطالة وانهيار العملة والهجرة وتدمير المدن؟
المشكلة ليست في الخارج وحده.
فالقوى الخارجية تجد طريقها إلى المنطقة عبر ضعف الداخل: مؤسسات هشة، فساد، احتكار للسلطة، انقسامات اجتماعية وطائفية، واقتصادات عاجزة عن حماية المواطن.
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر:
ضعف الدولة يجلب التدخل الخارجي، والتدخل الخارجي يعمّق الانقسام، والانقسام يضعف الدولة أكثر، والمواطن يبقى في النهاية هو الحلقة الأضعف.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً هو:
لماذا تستطيع بعض الشعوب أن تعيش في استقرار سياسي واقتصادي، بينما تبقى شعوب أخرى عالقة بين الحرب والفقر والأزمات؟
هل المشكلة في نقص الموارد؟
المنطقة تملك النفط والغاز والموانئ والممرات البحرية والثروات البشرية والأسواق. لكنها في كثير من الحالات لم تستطع تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية مستدامة، لأن الثروة وحدها لا تبني الدول.
المؤسسات هي التي تبني الدول.
والأمن الحقيقي ليس عدد الصواريخ والطائرات، ولا حجم التحالفات العسكرية فقط.
الأمن الحقيقي أن يستطيع المواطن أن ينام آمناً، وأن يجد عملاً، وأن يثق بمؤسسات بلاده، وأن يعرف أن مستقبله لن يتغير لأن دولة كبرى غيّرت سياستها، أو لأن قائداً قرر تغيير تحالفه.
لذلك ربما آن الأوان لأن نغيّر السؤال.
بدلاً من أن نسأل:
أميركا أم الصين؟
الشرق أم الغرب؟
هذا المحور أم ذاك؟
علينا أن نسأل:
ما الذي يخدم شعوبنا؟
ما الذي يحمي دولنا؟
ما الذي يبني اقتصادنا؟
وكيف نمنع تحويل أوطاننا إلى ساحات لصراعات الآخرين؟
المطلوب ليس استبدال تبعية بتبعية أخرى، بل امتلاك قرار وطني مستقل قادر على التعامل مع الجميع وفق المصلحة الوطنية.
فالقوى الكبرى ستستمر في البحث عن مصالحها، والقوى الإقليمية ستستمر في البحث عن نفوذها.
لكن السؤال الذي يجب أن تطرحه المنطقة على نفسها هو:
متى تصبح مصلحة المواطن هي الأولوية الأولى لدى قادة شعوبها ؟
فقد دفعت شعوبنا ثمناً باهظاً من الدم والمال والفرص.
وحان الوقت لأن تكون الدولة قوية بمؤسساتها، لا بتحالفاتها فقط؛ وأن تكون السياسة وسيلة لحماية الإنسان، لا وسيلة لاستخدامه.
فما قيمة الانتصارات السياسية إذا كان ثمنها إنساناً خائفاً، واقتصاداً منهكاً، وجيلاً يفقد حقه في أن يحلم بمستقبل أفضل؟