لندن: محمد الطّورة
لقد علّمتنا الملكية الأردنية أنَّه عندما تكون حياة الإنسان على المحك، تسقط كل حسابات المكسب والخسارة، ويبقى الإنسان وحده في صدارة المشهد… عندها فقط تُختبر حقيقة المؤسسات وقيمة المبادئ
ومن هذا المنطلق، فإن الإنصاف يفرض علينا أن نضع الأمور في ميزانها الصحيح؛ فنشير إلى الخطأ بهدف تصحيحه، ونرفع الصوت تقديراً للصواب حين يستحق الإشادة. فالملكية الأردنية، باعتبارها ناقلاً وطنياً وواجهة للأردن في العالم، لا تحتاج إلى مديحٍ يجاملها ولا إلى نقدٍ يظلمها، وإنما إلى كلمة صادقة ترى الإيجابيات كما ترى مواطن الخلل. فالنقد المسؤول يصحح المسار، والإشادة الصادقة تعزز النجاح وتدفع إلى المزيد منه.
أكتب هذه الكلمات بعد تجربة إنسانية عشتها يوم أمس على متن الملكية الأردنية ، سفيرة الأردن إلى العالم، خلال رحلتها رقم 111 من مطار الملكة علياء الدولي في عمّان إلى مطار هيثرو في لندن.
بعد نحو ساعتين من إقلاع الطائرة، جاء صوت قائد الطائرة عبر مكبر الصوت طالباً من أي طبيب موجود على متن الرحلة أن يعرّف بنفسه لطاقم الطائرة، بعدما تعرض أحد المسافرين لعارض صحي استدعى التدخل الطبي.
وفي مشهد يستحق التوقف عنده، بادر ثلاثة أطباء كانوا على متن الرحلة إلى الاستجابة للنداء، وتوجهوا إلى المسافر المريض، حيث قاموا بمعاينته بسرعة ومسؤولية.
وبعد التقييم الطبي، كان الرأي أن حالة المسافر تستدعي الوصول إلى مستشفى في أسرع وقت ممكن، وهنا ظهرت قيمة القرار وسرعة الاستجابة.
لم يتردد قائد الطائرة في اتخاذ الإجراءات اللازمة، والتنسيق وفق الأصول، والحصول على التصاريح المطلوبة للهبوط في مطار ميلانو الدولي في إيطاليا، باعتباره المطار الأقرب إلى موقع الطائرة في تلك اللحظة.
ولم يكتفِ الأمر بالقرار والإجراء، بل حرص قائد الطائرة على إبلاغ المسافرين بما جرى، ووضعهم في صورة التطورات بكل وضوح وهدوء.
قد يرى البعض أن ما حدث مجرد إجراء طبيعي في مثل هذه الحالات، وهذا صحيح من الناحية المهنية، لكن قيمة الموقف تكمن في أن وراء كل إجراء إنساناً، وأن التعامل مع الحالات الطارئة لا يُقاس فقط باللوائح والتعليمات، وإنما أيضاً بسرعة الاستجابة، وحسن التقدير، والشعور بالمسؤولية.
في تلك اللحظة، تذكرت مقولة الراحل الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه:
«الإنسان أغلى ما نملك».
فالمقولة لم تكن يوماً مجرد شعار يُقال في المناسبات، وإنما فلسفة دولة ومبدأ يفترض أن ينعكس في الممارسة والسلوك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان وسلامته.
ما شاهدته على متن تلك الرحلة جعلني أشعر بأن هذه المقولة ما زالت تجد طريقها إلى الفعل عندما يكون القرار في اللحظة المناسبة، وعندما يتقدم الإنسان على أي اعتبار آخر.
لكن، ولكي أكون منصفاً مع نفسي ومع المؤسسة التي أكتب عنها، فإن الصورة لا تكتمل من دون الإشارة إلى الجانب الآخر.
فقد سبق لي، قبل نحو ثلاثة أسابيع، أن تعرضت خلال رحلة للملكية الأردنية متوجهة من عمّان إلى أثينا لموقف يتعلق بأحد أفراد طاقم الطائرة، رأيت فيه سلوكاً لا ينسجم، من وجهة نظري، مع أبجديات العمل المهني والتعامل الذي يليق بمسافر على متن الناقل الوطني.
وقد أبلغت إدارة الملكية الأردنية بما حدث من خلال رسالة رسمية، وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم أتلقَّ رداً عليها.
وأذكر هذه الواقعة لا رغبة في الانتقاص من الملكية الأردنية، ولا بحثاً عن تصفية حساب، وإنما لأنني أؤمن بأن المؤسسة الوطنية تُحفظ سمعتها بالنقد المسؤول كما تُحفظ بالإشادة بمواقفها الإيجابية.
فالملكية الأردنية ليست مجرد شركة طيران؛ إنها واحدة من الواجهات التي يرى العالم من خلالها الأردن والأردنيين.
والموظف الذي يتعامل مع المسافر لا يمثل نفسه فقط، بل يحمل معه صورة المؤسسة التي ينتمي إليها، وصورة وطن بأكمله في كثير من الأحيان.
ومن هنا، فإن الإشادة بموقف قائد الطائرة والطاقم والأطباء الذين استجابوا للحالة الصحية للمسافر هي شهادة حق يجب أن تُقال، كما أن الإشارة إلى أي سلوك مهني غير مقبول يجب ألا تُفهم على أنها إساءة للمؤسسة.
المؤسسة القوية لا تخشى النقد، بل تستفيد منه.
والمواطن الذي ينتقد مؤسسته الوطنية ليس بالضرورة خصماً لها؛ بل قد يكون، في كثير من الأحيان، أكثر حرصاً على سمعتها ممن يكتفي بالتصفيق لها.
لهذا أكتب اليوم عن الموقفين معاً.
أكتب عن الهبوط في ميلانو لأن إنقاذ إنسان يستحق أن يُروى، ولأن سرعة القرار والمسؤولية المهنية تستحقان التقدير.
وأكتب عن الواقعة الأخرى لأن الخطأ، إن ثبت، يستحق المعالجة، ولأن الرسالة التي يبعثها عدم الرد على شكوى مواطن لا ينبغي أن تكون هي الرسالة التي تريد مؤسسة وطنية أن تصل إلى جمهورها.
وفي النهاية، ليست الغاية أن نقول إن الملكية الأردنية لا تخطئ، فهذا غير واقعي، ولا أن نقول إنها لا تحسن، فهذا غير منصف.
الغاية أن نقول إن الخطأ يجب أن يُصحح، والإنجاز يجب أن يُعظّم، وكلاهما يصب في مصلحة المؤسسة والوطن.
وإذا كانت الملكية الأردنية قد ترجمت في تلك الرحلة، قولاً وفعلاً، فلسفة الحسين بأن «الإنسان أغلى ما نملك»، فإن المطلوب أن تبقى هذه الفلسفة حاضرة في كل رحلة، وفي كل مقعد، وفي كل تعامل، وفي كل قرار.
فالمسافر لا يحمل معه تذكرة سفر فقط؛ بل يحمل انطباعاً عن الأردن.
وحين تكون الرحلة آمنة، والمعاملة راقية، والاستجابة إنسانية، فإن الطائرة لا تنقل المسافر من عمّان إلى العالم فحسب، بل تنقل معه صورة جميلة عن الأردن.
هذه هي الملكية الأردنية التي نريدها… ناقلاً وطنياً نفتخر به، وننتقده حين يخطئ، ونصفق له حين ينجح، ونحرص عليه في الحالتين.
فالنقد المسؤول لا يهدم المؤسسة، بل يقوّيها.
والمديح الصادق لا يجاملها، بل يشجعها.
وبين النقد والمديح تبقى الغاية الأهم:
أن يبقى الإنسان… أغلى ما نملك.
وفي الختام، يبقى الأمل أن تظل الملكية الأردنية، كما أرادها سيد البلاد جلالة الملك عبدالله الثاني، سفيرةً للأردن في العالم، تحمل إرثه الحضاري، وتعكس صورته المشرقة، وتصون سمعته ومكانته، وتُحسن استقبال المسافرين وخدمتهم بما يليق باسم الأردن وأهله.
فكل طائرة تقلع من عمّان لا تحمل مسافرين إلى وجهاتهم فحسب، وإنما تحمل معها شيئاً من الأردن؛ تاريخه، وحضارته، وكرم أهله، وقيمه الإنسانية. وكل مسافر يغادر على متنها يجب أن يصل إلى وجهته وهو يحمل انطباعاً يليق بهذا الوطن.
وهنا تحديداً تتجسد مسؤولية الملكية الأردنية: أن تكون سفيرةً للأردن في الجو كما هي على الأرض، وأن تجعل من كل رحلة فرصة جديدة لتعريف العالم بالأردن الذي نحب، وبالإنسان الأردني الذي نعتز به.
وإذا كان الراحل الملك الحسين قد اختصر فلسفة الوطن بقوله: «الإنسان أغلى ما نملك»، فإن أملنا أن تبقى هذه الكلمات حاضرةً في كل رحلة، وكل قرار، وكل تعامل؛ لتظل الملكية الأردنية اسماً نفخر به، وواجهةً نثق بها، وسفيرةً تحمل الأردن إلى العالم كما يستحق