لندن: محمد الطّورة
من يعرف قيمة وطنه… لا يلتبس عليه الموقف.
أثبت الأردن، كما كان دائمًا، أنه حاضرٌ حين يغيب الآخرون، ومؤثرٌ حين تتبدل الموازين، وثابتٌ حين تتغير المواقف. وهذه ليست مجرد أمنيات أو شعارات، بل حقيقة أثبتتها الأحداث، وسيؤكدها المستقبل كما أكدها الماضي
الأردن بلدي الحبيب لا ينتظر من أحد اعترافًا بدوره أو شهادةً بحضوره، لأن مكانته لم تُصنع بالضجيج، بل رسختها عقود من الحكمة السياسية والمواقف الثابتة والتأثير الفاعل. ومع كل أزمة تعصف بالمنطقة، قد تتبدل العناوين وتعلو الأصوات، لكن ما إن تنقشع غبار الأحداث حتى تتجلى الحقيقة ذاتها: الأردن دولة راسخة، وقيادة هاشمية حكيمة، ودور محوري لا يمكن تجاوزه أو تهميشه. ومن هنا، فإن كل حديث عن غياب الأردن لا يصمد طويلًا أمام حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسة.
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يخرج بين الحين والآخر من يردد أن الأردن أصبح غائبًا عن المشهد، أو أن دوره لم يعد كما كان في السابق. وهي مقولة قد تبدو جذابة للبعض، لكنها تصطدم سريعًا بحقائق التاريخ والجغرافيا والسياسة، لأن الأردن لم يكن يومًا دولة هامشية حتى يُقال إنه غاب، ولم يكن لاعبًا عابرًا حتى يمكن تجاوزه أو استبعاده من معادلات المنطقة.
فالدول لا تُقاس بمساحاتها ولا بعدد سكانها، وإنما يُقاس وزنها بما تملكه من تأثير، وبما تتمتع به من حكمة في إدارة الأزمات، وبما تحظى به من احترام ومصداقية لدى الأشقاء والأصدقاء على حد سواء. ومن هذا المنطلق، استطاع الأردن أن يثبت عبر عقود طويلة أنه دولة ذات وزن سياسي يفوق حجمها الجغرافي، وأنها لاعب أساسي في قضايا الإقليم، مهما تغيرت الظروف وتبدلت موازين القوى.
لقد أدرك الأردن منذ تأسيسه على يد الملك المؤسس عبالله الأول ابن الحسين أن موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي يفرضان عليه مسؤوليات أكبر من إمكاناته المادية، فاختار أن يكون صوت الاعتدال والعقل، وجسرًا للحوار، وعامل استقرار في منطقة تعصف بها الصراعات والأزمات. ولذلك لم يكن يومًا خارج الأحداث، بل كان حاضرًا في قلبها، يساهم في احتواء الأزمات، ويطرح الحلول، ويحافظ على التوازنات التي تمنع المنطقة من الانزلاق نحو المزيد من الفوضى.
ويزداد هذا الحضور رسوخًا في ظل القيادة الهاشمية لجلالة الملك عبدالله الثاني أبن الحسين التي تحمل إرثًا تاريخيًا وسياسيًا ودينيًا لا يمكن تجاهله. فالملك الهاشمي يدرك أن للأسرة الهاشمية مكانة خاصة في وجدان الأمة وتاريخها، وأن هذه المكانة ليست امتيازًا بقدر ما هي مسؤولية ورسالة. ومن هنا جاءت مواقف الأردن ثابتة وواضحة تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي بقيت على الدوام في صدارة أولوياته السياسية والدبلوماسية.
ولعل ما يميز السياسة الأردنية أنها لا تبحث عن الأضواء بقدر ما تبحث عن النتائج. فهناك فرق كبير بين الحضور الإعلامي والحضور السياسي الحقيقي. قد ترتفع أصوات هنا وهناك، وقد تتصدر عناوين الأخبار مواقف آنية، لكن التأثير الحقيقي يبقى للدول التي تمتلك رؤية واضحة ومصداقية راسخة وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وهي عناصر رسخها الأردن عبر سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي المسؤول.
إن المتابع المنصف لما يجري في المنطقة يدرك أن الأردن حاضر في كل الملفات الكبرى، سواء عبر جهوده السياسية والدبلوماسية، أو من خلال دوره الإنساني والأمني، أو عبر مكانته التي جعلته موضع احترام وتقدير في المحافل الدولية. ولذلك فإن الحديث عن غياب الأردن لا يعكس الواقع بقدر ما يعكس قراءة سطحية للأحداث، لأن الدول المؤثرة لا تُقاس بحجم الضجيج الذي تصنعه، بل بقدرتها على صناعة الفرق حين تكون اللحظات حاسمة.
لقد أثبت الأردن مرارًا أن حضوره ليس مرتبطًا بظرف أو مرحلة، بل هو جزء من معادلة المنطقة نفسها. فالأردن كان حاضرًا عندما اشتدت الأزمات، وحاضرًا عندما طُرحت المبادرات، وحاضرًا عندما احتاجت المنطقة إلى صوت الحكمة والعقل. وسيبقى كذلك، لأن دوره يستند إلى شرعية التاريخ، وحكمة القيادة، وثقة الأشقاء، واحترام العالم.
الأردن ليس دولة تبحث عن مكان لها في الأحداث، بل دولة تصنع مكانتها من خلال مواقفها. ولهذا لم يكن غائبًا يومًا، ولن يغيب، لأن الحضور الحقيقي لا تصنعه الشعارات، بل تصنعه الحكمة والثبات والقدرة على التأثير، وهذه هي قصة الأردن منذ نشأته وحتى اليوم

