لندن: محمد الطّورة
قراءة في مقال الأستاذ الصحفي عبدالهادي راجي المجالي “دولة تعاني من الصداع”
عندما قرأت مقال الأستاذ عبدالهادي راجي المجالي في موقع “عمون الأخباري” الموسوم “دولة تعاني من الصداع”، استوقفتني فكرة جوهرية لم تكن تتحدث عن الهوية الوطنية بوصفها مظهراً أو شعاراً، بل بوصفها مشروعاً متكاملاً لصناعة الإنسان والدولة. ومن هنا وجدت نفسي أستحضر سيرة رجال آمنوا بهذا المشروع وعاشوه ممارسةً لا تنظيراً، وفي مقدمتهم وصفي التل الذي وضع أسس الشخصية الأردنية الحديثة، والفريق الأول فيصل الطورة الشوبكي الذي مثّل نموذجاً لرجل الدولة الذي وصل إلى موقعه بالكفاءة والخبرة والعمل الدؤوب، مجسداً في مسيرته المهنية كثيراً من القيم التي دعا إليها جيل المؤسسين في بناء الدولة الأردنية ومؤسساتها.
لقد أثار مقال الأستاذ عبدالهادي راجي المجالي جملة من التساؤلات المشروعة التي تستحق التوقف عندها ملياً، ليس من باب الجدل أو الاختلاف في وجهات النظر، وإنما من باب الحرص على الدولة الأردنية ومؤسساتها ومستقبل أجيالها القادمة.
فالمقال في جوهره لم يكن اعتراضاً على فعالية هنا أو نشاط هناك، ولم يكن موجهاً ضد أشخاص بعينهم بقدر ما كان محاولة لطرح سؤال وطني كبير: كيف نبني شخصية المواطن الأردني؟ وكيف نحافظ على هوية الدولة ورسالتها ومشروعها في ظل عالم سريع التغير تتنافس فيه الدول على بناء الإنسان قبل أي شيء آخر؟
إن الهوية الوطنية ليست مجرد شعارات ترفع أو مناسبات تقام أو مظاهر تراثية نفتخر بها، رغم أهميتها وقيمتها الكبيرة في وجدان الأردنيين. فالهوية الوطنية الحقيقية هي منظومة متكاملة من القيم والمعرفة والانتماء والعمل والإنتاج والإيمان بالدولة ورجالها ومؤسساتها ورسالتها. وهي أيضاً القدرة على تحويل التاريخ إلى قوة دفع للمستقبل، وتحويل الانتماء إلى سلوك يومي وممارسة عملية في خدمة الوطن.
ولعل من أبرز ما يميز الدول الناجحة أنها لا تكتفي بالترويج لصورتها، بل تعمل باستمرار على بناء مضمون هذه الصورة من خلال التعليم والثقافة والفكر والمؤسسات والكفاءات الوطنية. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما بما تنتجه من رجال ونساء قادرين على تحمل المسؤولية وصناعة الإنجاز.
ومن هنا فإن الحديث عن التراجع الذي أصاب بعض مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية لا ينبغي أن يُفهم على أنه إنكار للإنجازات أو تشكيك بالجهود المبذولة، وإنما دعوة صادقة للمراجعة والتقييم والتصويب. فكل مؤسسة، مهما بلغت من القوة والنجاح، تحتاج بين الحين والآخر إلى وقفة مراجعة تعيد النظر في أدواتها وأولوياتها وآليات عملها.
لقد عرف الأردن عبر تاريخه الطويل رجال دولة تحدث عنهم الأستاذ المجالي في مقاله تركوا بصمات واضحة في مسيرته السياسية والإدارية والعسكرية والثقافية، وكان الجامع المشترك بينهم أنهم وصلوا إلى مواقع المسؤولية عبر العمل الجاد والخبرة المتراكمة والإيمان العميق برسالة الدولة. ولم تكن المناصب بالنسبة لهم غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لخدمة الوطن وقيادته وشعبه.
ولهذا فإن استحضار أسماء هؤلاء الرجال، أحياءً كانوا أم أمواتاً، لا يمثل حالة من الحنين للماضي أو محاولة لتقديس الأشخاص، بل هو جزء من المحافظة على الذاكرة الوطنية التي تحتاجها الشعوب والأمم. فالأجيال الجديدة بحاجة إلى نماذج نجاح حقيقية ترى فيها معنى الاجتهاد والانتماء والالتزام، وتدرك من خلالها أن خدمة الوطن كانت وما زالت طريقاً للشرف والعطاء.
وفي هذا السياق، كنت قبل أيام قد كتبت عن إبن العم المرحوم بإذن الله تعالى الفريق الأول الركن فيصل الطورة الشوبكي، مدير المخابرات العامة الأسبق، بمناسبة مرور ست سنوات على وفاته. ولم يكن الهدف من ذلك المقال المديح أو المجاملة، بل التذكير بسيرة رجل من رجالات الأردن الذين بنوا مسيرتهم المهنية خطوة خطوة، مستندين إلى الكفاءة والخبرة والعمل الدؤوب، حتى وصلوا إلى أعلى مواقع المسؤولية.
وكان المقصود من استذكار هذه السيرة وغيرها من سير رجالات الوطن التأكيد على أن الدولة الأردنية لم تُبنَ بالمصادفة، ولم تصل إلى ما وصلت إليه بفضل الظروف وحدها، بل بجهود رجال ونساء آمنوا برسالتها وضحوا من أجلها وعملوا بإخلاص وتجرد. كما أن استحضار هذه النماذج يمثل رسالة مهمة للشباب بأن النجاح الحقيقي لا يصنعه النفوذ أو العلاقات الشخصية، وإنما يصنعه العلم والخبرة والانضباط والالتزام.
وللأسف، لم يسلم ذلك المقال من بعض الانتقادات التي تجاوزت الفكرة إلى صاحبها، وكأن مجرد الحديث عن مناقب رجالات الدولة أصبح أمراً يثير حفيظة البعض. ومع ذلك فإن الواجب الوطني يقتضي الاستمرار في توثيق هذه المسيرات المضيئة، لأن الأمم التي تنسى رجالها المخلصين تفقد جزءاً من ذاكرتها، وتفقد معها جزءاً من قدرتها على صناعة المستقبل.
إن حاجتنا اليوم ليست إلى تبادل الاتهامات أو البحث عن شماعات نعلق عليها الأخطاء، بل إلى إعادة الاعتبار لقيم الكفاءة والخبرة والمعرفة في إدارة الشأن العام. فالمؤسسات القوية لا تقوم إلا على أسس واضحة من العدالة وتكافؤ الفرص وحسن الاختيار، كما أن استقرار الدول وتقدمها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على استثمار العقول والخبرات الوطنية والاستفادة من تجاربها.
كما أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأن الاستثمار في الثقافة والوعي والتعليم لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد والبنية التحتية. فالأمم التي تمتلك مشروعاً ثقافياً وفكرياً واضحاً تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وحماية هويتها وصناعة مستقبلها.
إن الأردن يمتلك رصيداً كبيراً من الإنجازات والكفاءات والخبرات المتراكمة، ويمتلك قيادة حكيمة وشعباً واعياً ومؤسسات عريقة. وما نحتاجه اليوم هو إعادة وصل الماضي بالحاضر، والاستفادة من تجارب رجالات الدولة الذين أسهموا في بناء الوطن، مع فتح الأبواب أمام جيل جديد يحمل الراية ويواصل المسيرة بروح المسؤولية والإبداع.
فالوطن لا يبنى بالقطيعة مع تاريخه، ولا بالتوقف عند أمجاد الماضي، وإنما بالجمع بين الاثنين؛ الوفاء لمن خدموا، والثقة بمن سيكملون الطريق. وعندما نستعيد هذه المعادلة سنكون أقرب إلى إعادة القطار إلى سكته الصحيحة، وأقرب إلى تحقيق ما نطمح إليه من دولة قوية بمؤسساتها، راسخة بهويتها، متجددة بأفكار أبنائها، وقادرة على مواجهة المستقبل بثقة واقتدار.
في الختام …أعترف أنني، كما أصاب الكاتب الصداع وهو يتأمل حال الدولة ومؤسساتها، يصيبني الصداع أيضاً كلما قرأت بعض الردود والتعليقات التي ترافق المقالات التي تتناول رجالات الوطن وسيرهم وإنجازاتهم. فبدلاً من التوقف عند الدروس والعبر التي قدمها هؤلاء الرجال في مسيرة خدمتهم للدولة، ينصرف البعض إلى التقليل من قيمة الحديث عنهم أو التشكيك في أهمية استذكارهم.
وكأن هناك من لا يروق له أن تبقى أسماء الرجال الذين خدموا الأردن بإخلاص حاضرة في ذاكرة الوطن والناس، حتى بعد رحيلهم. مع أن الأمم الحية تقاس بمدى وفائها لرموزها الوطنية وحفظها لتاريخها وتقديرها لمن أسهموا في بناء مؤسساتها وصون منجزاتها.
إن استذكار رجالات الدولة وغيرهم ليس صناعة لأصنام بشرية، ولا توزيعاً لشهادات براءة أو قداسة على أحد، فالكمال لله وحده، ولكنه وفاء لتاريخ الوطن، وإنصاف لرجال أدوا واجبهم بإخلاص، ورسالة للأجيال القادمة بأن النجاح والكفاءة والانتماء كانت وما زالت الطريق الحقيقي لخدمة الأردن.
ولهذا سأبقى أكتب عن أمثال وصفي التل، وفيصل الطورة الشوبكي، وغيرهما من رجالات الدولة الذين تركوا بصماتهم في تاريخ الوطن، لا لأنهم فوق النقد، بل لأنهم جزء من ذاكرة الأردن، ولأن الأوطان التي تنسى رجالها المخلصين تخاطر بأن تنسى أيضاً القيم التي قام عليها بناؤها ومسيرتها.
والرسالة التي أود أن تصل للبعض هي أن ذكر مناقب رجالات الوطن وتوثيق سيرتهم الوطنية ليس أمراً ينبغي التحفظ عليه لأنه لا ينتقص من أحد ، بل هو عمل يعزز الذاكرة الوطنية ويحفظ للأجيال حقها في معرفة النماذج التي أسهمت في بناء الأردن ومؤسساته. فالدولة الواثقة من نفسها لا تخشى تاريخها، بل تفتخر به، ولنا خير مثال بالقيادة الهاشمية التي أنصفت المخلصين في حياتهم وهي التي تفخر باستمرار بذكرهم بعد رحيلهم.

