الأمن والتنمية.. شراكة وطنية تستحق المراجعة والتطوير
أكتب هذه الكلمات بصفتي مواطناً أردنياً يؤمن بأن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وبصفتي موظف في القطاع العام سابقاً أمضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة الوطن في الداخل والخارج، عايش خلالها محطات كثيرة من العمل الوطني وما رافقها من تحديات وإنجازات. وقد تعلمت من هذه المسيرة أن قوة الدولة لا تكمن فقط في مؤسساتها العريقة وكوادرها المخلصة، بل أيضاً في قدرتها على الاستماع للرأي المسؤول الذي ينطلق من الحرص والانتماء والولاء للوطن وقيادته.
ولست أكتب اليوم من موقع الناقد أو الباحث عن تسجيل موقف، بل من موقع الشريك في المسؤولية الوطنية، ومن واقع تجربة شخصية مررت بها عندما قررت إطلاق مشروع إعلامي وطني هدفه خدمة الأردن وقيادته الهاشمية والدفاع عن مصالحه وإبراز إنجازاته في الداخل والخارج. وخلال هذه التجربة، لمست عن قرب العديد من الجوانب الإيجابية التي تدعو للفخر والاعتزاز، كما واجهت بعض المواقف التي دفعتني للتأمل في أهمية الموازنة بين متطلبات الأمن الوطني ومتطلبات التنمية والإبداع والمبادرة.
وانطلاقاً من هذا الحرص، أجد من الواجب الإشادة بالدور الوطني الكبير الذي تقوم به دائرة المخابرات العامة باعتبارها واحدة من أهم المؤسسات الوطنية التي ساهمت على مدى عقود في حماية الأردن والحفاظ على أمنه واستقراره وسط بيئة إقليمية ودولية مليئة بالتحديات. كما لا يمكن إغفال الجهود التي بُذلت خلال الفترة الأخيرة في تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز المهنية والارتقاء بقدرات المؤسسة بما ينسجم مع متطلبات المرحلة وتحدياتها.
ومنذ إنشاء هذه الدائرة، لمس الكثيرون حرصاً واضحاً على تعزيز العمل المؤسسي وترسيخ قيم الانضباط والكفاءة والمهنية فيها، وهي جهود تستحق التقدير والدعم لما لها من أثر مباشر في تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم وترسيخ مكانة الأردن كدولة قانون ومؤسسات.
غير أن الحرص على نجاح المؤسسة وتعزيز دورها الوطني يدفعنا أيضاً إلى التوقف عند بعض الممارسات الفردية التي قد تصدر عن بعض المنتسبين بحسن نية ورغبة صادقة في خدمة الوطن، لكنها في بعض الأحيان تنتج آثاراً عكسية لا تخدم الأهداف الوطنية التي تسعى إليها الدولة.
فمن خلال تجربتي الشخصية، وجدت أن بعض المبادرات والمشاريع الوطنية، وخصوصاً في المجالات الإعلامية والاستثمارية والتنموية، قد تواجه أحياناً عقبات أو تحفظات لا ترتبط بشكل مباشر بمتطلبات الأمن الوطني أو سلامة الدولة، وإنما قد تكون ناتجة عن اجتهادات فردية أو تقديرات غير دقيقة أو نقص في الخبرة بطبيعة هذه المشاريع وأهدافها الحقيقية. وفي كثير من الحالات يكون أصحاب هذه المشاريع مؤمنين برسالة وطنية صادقة ويسعون إلى خدمة الأردن وتعزيز صورته ومكانته، لا إلى الإضرار به أو الإساءة إليه كما يخيل للبعض.
ولا شك أن الأمن الوطني بالنسبة لي كأحد ابناء الوطن يمثل خطاً أحمر لا يقبل التهاون أو المجازفة، لكن الأمن بمفهومه الشامل لا ينفصل عن التنمية والاقتصاد والإعلام والاستثمار. فالمشروع الوطني الناجح الذي يخلق فرص عمل، أو يعزز صورة الأردن في الخارج، أو يدعم الثقة بمؤسسات الدولة، هو شريك في حماية الوطن وتعزيز استقراره، وليس عبئاً عليه.
ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على التمييز بين المخاطر الحقيقية التي تستوجب التدخل والحزم، وبين المبادرات الوطنية التي تحتاج إلى الدعم والتوجيه والتعاون. كما أن تعزيز مهارات التواصل والتقدير المهني لدى بعض العاملين، وإتاحة مساحة أوسع لفهم الأبعاد الاقتصادية والإعلامية والتنموية للمشاريع الوطنية، من شأنه أن يسهم في تحقيق نتائج أفضل تخدم الوطن والمؤسسة معاً.
إن ثقتنا كبيرة بقيادة جهاز دائرة المخابرات العامة، وبقدرتها على مواصلة نهج التطوير والتحديث، والاستفادة من الملاحظات الصادقة التي يقدمها المواطنون المخلصون. فالمؤسسات القوية لا تخشى المراجعة، بل تعتبرها جزءاً من عملية التطوير المستمر التي تعزز نجاحها وترسخ مكانتها.
وفي الختام، أؤكد أن هذه الكلمات لا تهدف إلا إلى خدمة الأردن الذي نعتز بالانتماء إليه، وإلى دعم مؤسساته الوطنية التي نفخر بها جميعاً، وإلى التأكيد على أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، وأن نجاح أحدهما يعزز نجاح الآخر. فالأردن الذي نحلم به جميعاً هو الأردن الذي يحمي أمنه بقوة مؤسساته، ويبني مستقبله بدعم المبادرات الخلاقة والمشاريع الوطنية التي تحمل اسمه ورسالته إلى العالم.

