في الوقت الذي يقف فيه العالم مذهولاً أمام قدرات “تشات جي بي تي” (ChatGPT) والنماذج التوليدية، ينشغل المبرمجون في سباق محموم لتطوير الخوارزميات. لكن، بعيداً عن صخب الخوادم العملاقة، يبرز في الأوساط الأكاديمية نقاش هادئ ومثير للدهشة: هل كانت المعارك الفكرية التي دارت في العالم الإسلامي قبل 700 عام تحمل في طياتها المخططات الأولية لكيفية “تفكير” الآلة اليوم؟
لم تأتِ الإجابة من كتب التراث ، بل من كتاب “تمثيل المعرفة” (Knowledge Representation) للعالم الأمريكي الرائد في علوم الحاسوب، جون سوا (John F. Sowa)، الذي أعاد الاعتبار لاسمين كبيرين في تاريخ الفكر الإسلامي: ابن تيمية وابن سينا، واضعاً إياهما على طرفي نقيض في معادلة الذكاء الاصطناعي.
لقرون طويلة، سيطر “المنطق الأرسطي” على العقل البشري، معتمداً على مبدأ “الاستنباط”؛ أي أن تنطلق من قاعدة كلية لتصل إلى نتيجة خاصة. كان هذا المنطق هو “نظام التشغيل” الوحيد المعتمد للعقل.
لكن في القرن الرابع عشر الميلادي، ومن دمشق، أطلق الإمام ابن تيمية ثورته الكبرى في كتابه “الرد على المنطقيين”. لم يكن اعتراضه دينياً فحسب، بل كان “هندسياً” بامتياز. جادل ابن تيمية بأن العقل البشري لا يعمل عبر قوالب جامدة وقواعد كليّة مسبقة، بل يعمل عبر “القياس التمثيلي” (Analogy)؛ أي قياس شيء مجهول على شيء معلوم لوجود شبه بينهما.
يقول “جون سوا” في تحليله: “إن نقد ابن تيمية للمنطق اليوناني لم يكن مجرد جدل فلسفي، بل كان تأسيساً لما نسميه اليوم في الذكاء الاصطناعي بـ الاستدلال المعتمد على الحالات (Case-Based Reasoning)”.
ابن تيمية.. “مهندس” التعلم الآلي
لفهم عبقرية الطرح التيمي بلغة العصر، علينا النظر إلى كيفية عمل “التعلم العميق” (Deep Learning) اليوم.
عندما نريد تعليم الحاسوب التمييز بين “القطة” و”الكلب”، نحن لا نكتب له قاعدة تقول: (إذا كان للحيوان شارب وأذنان صغيرتان فهو قطة). هذا هو المنطق القديم الذي حاربه ابن تيمية. بدلاً من ذلك، نحن نغذي الحاسوب بآلاف الصور (الحالات الجزئية)، ونتركه يكتشف الروابط بنفسه ويقيس الصورة الجديدة على الصور القديمة المخزنة لديه.
هذا الانتقال من “الجزئي” إلى “الجزئي” عبر “العلّة المشتركة”، هو التطبيق الحرفي لمنهج ابن تيمية، وهو ما يجعل خوارزميات اليوم قادرة على التعلم والمرونة، بعكس البرامج القديمة الجامدة.
ابن سينا.. عراب “الذكاء الرمزي”
على الضفة الأخرى، يقف الفيلسوف والطبيب ابن سينا كأب روحي للاتجاه الكلاسيكي في الذكاء الاصطناعي، المعروف بـ (Symbolic AI).
كان ابن سينا مهووساً بالتصنيف والتقعيد. في كتابه “الشفاء”، طور ما يعرف بـ “المنطق الموجه” (Modal Logic)، الذي يتعامل مع مفاهيم الضرورة والإمكان. هذا الهوس بالدقة والتراتبية هو ما بُنيت عليه لغات البرمجة الحديثة وأنظمة قواعد البيانات.
فكرة “الأنطولوجيا” (Ontology) في علوم الحاسوب، التي تعني تصنيف الكائنات إلى فئات (Classes) وخصائص (Attributes)، هي صدىً بعيد لتصنيفات ابن سينا للوجود (الجوهر والعرض). وبدون هذا الهيكل المنطقي الصارم الذي دافع عنه ابن سينا، لم نكن لنحصل على لغات برمجية دقيقة لا تقبل الخطأ.
المثير في الأمر أن الصراع التاريخي بين مدرسة “الرأي والقياس” ومدرسة “المنطق الصوري” لم ينتهِ، بل انتقل من حلقات المساجد إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي:
مدرسة ابن تيمية (البيانات): تمثل اليوم أنظمة الشبكات العصبية (Neural Networks) التي “تتعلم” من التجربة والبيانات الضخمة، لكنها تفتقر أحياناً للمنطق المفسر (الصندوق الأسود).
مدرسة ابن سينا (المنطق): تمثل الأنظمة الخبيرة (Expert Systems) التي تعمل وفق قواعد واضحة وصارمة، لكنها تفتقر للمرونة والقدرة على التطور الذاتي.
المستقبل يكمن في الدمج بينهما فيما يعرف بـ “الذكاء الاصطناعي الهجين” (Neuro-symbolic AI). نظام يمتلك “حدس” ابن تيمية في التعلم من الأمثلة، و”دقة” ابن سينا في تنظيم القواعد.
إن إعادة قراءة التراث الإسلامي بعيون تقنية ليست ترفاً فكرياً، ولا محاولة لـ “أسلمة” التكنولوجيا، بل هي رحلة ضرورية لاستكشاف كيف حاولت العقول الفذة عبر التاريخ فهم آلية التفكير البشري.. تلك الآلية التي نحاول اليوم جاهدين منحها للآلة.
المصادر:
John F. Sowa, “Knowledge Representation: Logical, Philosophical, and Computational Foundations”.
أطروحات د. وائل حلاق في نقد للمنطق.
دراسات معاصرة في (Computational Logic).
اطروحات د. جورج صليبا
هل وضع ابن تيمية وابن سينا “الشيفرة الفلسفية” للذكاء الاصطناعي؟
13

