لندن: محمد الطّورة
حين تتحول الممارسات الشخصية في المواقع الرسمية للدولة إلى عبء على الوطن
مقدمة
في بنية أي دولة، تُمنح المواقع والمسؤوليات لتكون أدوات خدمة، لا مساحات نفوذ معزولة عن المساءلة. غير أن الواقع يكشف، في أحيانٍ كثيرة، عن ممارسات تصدر من داخل هذه المواقع، تُسهم—بصورة مباشرة أو غير مباشرة—في الإضرار بصورة الوطن ومصالحه.
ليس الحديث هنا عن حالات استثنائية، بل عن أنماط سلوك تتكرر بما يكفي لتستحق التوقف عندها.
أصحابها ليسوا مجهولين، لكن حضورهم يُعرَف بمواقعهم أكثر مما يُسمّى بأسمائهم.
قراءة في المشهد
تتجلى الإشكالية حين تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية إلى امتياز.
في هذا السياق، يظهر موظفٌ في موقع خدمي يتعامل مع معاملات المواطنين بوصفها مساحة للانتقاء، لا حقًا مكفولًا. تتراجع الأولويات المهنية أمام الاعتبارات الشخصية، ويُعاد تعريف “الإجراء” بما يخدم علاقاتٍ لا أنظمة.
وفي مستوى إداري أعلى، يبرز صاحب قرار يختزل المؤسسة في دائرة نفوذه، فيُقاس الأداء بمدى الولاء لا بمدى الكفاءة، وتُدار الموارد بمنطق الاحتكار لا بمنطق المصلحة العامة.
أما في المجال الإعلامي، فثمة منصة مؤثرة تُمارس دورها بانتقائية لافتة؛ تُضخّم ما يخدم سردية بعينها، وتُهمّش ما سواها، فتتشكل صورة مشوشة لا تعكس الواقع بقدر ما تعيد صياغته.
نماذج أكثر وضوحًا
تتخذ هذه الممارسات صورًا أكثر مباشرة في الحياة اليومية:
- موظفٌ يُطبع “الواسطة” داخل صلب العمل، فتتحول من استثناءٍ طارئ إلى قاعدة غير معلنة، تُعيد ترتيب الفرص على أساس القرب لا الاستحقاق.
- آخر يُفرّط في سرية موقعه الوظيفي، فيكشف معلومات يفترض أن تبقى ضمن نطاقها المؤسسي، بما يعرّض الثقة العامة للاهتزاز ويضعف هيبة العمل.
- وثالث يعمل في مواقع حساسة، يمتلك صلاحيات قادرة على تسهيل الإجراءات، لكنه يوظفها—بصورة معاكسة—لتعطيل معاملات الأفراد أو إبطاء المشاريع، لأسباب لا تمت بصلة إلى مقتضيات المهنة.
- ورابع يلوّح بدعمٍ غير معلن من بعض الجهات التي لا يمكن الأقتراب مهنا، أو يستند إلى انتماءاتٍ أو علاقاتٍ يعتقد أنها تمنحه حصانة غير رسمية، فيتصرف بثقةٍ تتجاوز حدود موقعه، وكأن المساءلة لا تطاله.
هذه ليست وقائع معزولة، بل مؤشرات على خللٍ يتجاوز الأفراد إلى الثقافة الإدارية ذاتها.
الأثر المتراكم
تكمن الخطورة في الأثر التراكمي لهذه السلوكيات.
فهي لا تتوقف عند حدود المؤسسة، بل تمتد لتشكّل إدراكًا عامًا ينعكس على ثقة المجتمع في منظوماته.
حين تُدار الفرص بالمحاباة، تتآكل فكرة العدالة.
وحين تُنتهك السرية، تتراجع المصداقية.
وحين تُستخدم الصلاحيات لتعطيل المصالح، يتحول النفوذ إلى عامل إعاقة بدل أن يكون أداة تمكين.
الأخطر أن كثيرًا من هذه الممارسات يحدث في العلن، ومع ذلك يستمر—إما بفعل الاعتياد، أو تحت وطأة الصمت، أو نتيجة قناعة بأن المساءلة ليست وشيكة.
الخاتمة
هذا الطرح لا يستهدف أشخاصًا بقدر ما يسلّط الضوء على سلوكيات،
سلوكيات، إن استمرت، فإنها لا تسيء إلى مواقعها فحسب، بل تُحمّل الوطن كلفة متراكمة لا يمكن تجاهلها.
فالمواقع العامة ليست حصانة،
والوظيفة ليست امتيازًا،
والوطن لا يُختزل في شعارات تُرفع، بل في ممارسات تُحاسب.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين يُمارس هذا النمط من السلوك على من هم جزء من المنظومة نفسها—من يعملون في خدمة الدولة أو ينتمون إليها—فيُواجهون التعطيل ذاته، والتجاوز ذاته، وكأن الخلل أصبح قاعدة لا استثناء.
عندها، لا يعود السؤال: من المخطئ؟
بل: لماذا يُسمح لهذا النمط أن يستمر؟

