لندن: محمد الطّورة
تابعنا في موقع “العموم نيوز” من لندن الزيارة التي قام بها الإعلامي المعروف الأستاذ “نايف الطّورة” إلى إحدى المؤسسات الإعلامية داخل الأردن، وما رافقها من زخم واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء من حيث التفاعل الكبير مع الزيارة أو من خلال حالة الجدل التي أُثيرت بالتزامن معها. ومن هنا، وجدنا أنه من واجبنا المهني والإعلامي أن نُبدي رأيًا بكل تجرد وموضوعية تجاه ما حصل وما قيل، بعيدًا عن الاصطفافات أو الحسابات الضيقة.
في الوقت الذي راهن فيه البعض على غياب الأستاذ “نايف الطّورة” عن المشهد الإعلامي وفقدان جمهوره الكبير من المتابعين، بعد توقفه عن البث وعودته إلى الأردن، كنت من الذين راهنوا على العكس تمامًا، لأنني كنت على يقين أن شخصًا بحجم “أبو طارق” لا يمكن أن يغيب، ولا أن يتحول إلى مجرد ذكرى عابرة في ذاكرة الناس.
وقد ربحت الرهان بالفعل، لأنني كنت دائماً على يقين أن حضور “نايف الطّورة” لم يكن يومًا مرتبطًا بشاشة أو برنامج أو منصة بث، بل ارتبط بشخصية استثنائية صنعت مكانتها عبر سنوات طويلة من العمل والتأثير والحضور المختلف. فهناك أشخاص إذا ابتعدوا عن الأضواء، بقيت أسماؤهم حاضرة، لأنهم ببساطة نجحوا في ترك أثر حقيقي لا يمحوه الغياب.
وجاءت زيارته الأخيرة بدعوة رسمية إلى إحدى المؤسسات الإعلامية داخل الأردن لتؤكد هذه الحقيقة بوضوح، بعدما تحولت خلال ساعات إلى حديث الشارع ومنصات التواصل الاجتماعي، لتعيد اسمه إلى واجهة المشهد، في رسالة واضحة لكل من ظن أن الرجل خرج من حسابات التأثير والحضور.
فالاستقبال الأخوي الذي حظي بها الضيف في تلك المؤسسة ومن قبل القائمين عليها لم يكن مجرد مشهد بروتوكولي عابر، بل كان تعبيرًا صادقًا عن حجم التقدير والمحبة التي ما زال يحظى بها داخل الوسط الإعلامي وبين الناس، بعد سنوات طويلة من العمل الصحفي والإعلامي داخل الأردن وخارجه.
لكن، وفي مقابل هذه الحفاوة، ظهرت حالة واضحة من الانزعاج لدى “البعض”، دفعتهم إلى إعادة نشر أو الإيعاز بإعادة نشر فيديوهات ومقاطع قديمة للأستاذ “الطورة”، في توقيت لا يمكن وصفه بالعفوي أو البريء، وكأن المطلوب كان التشويش على أجواء الترحيب وإعادة جرّ النقاش نحو ملفات تجاوزها الزمن والدولة والناس معًا.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا الآن؟ ولمصلحة من يُعاد تدوير تلك المقاطع القديمة في هذا التوقيت تحديدًا؟
الحقيقة التي يعرفها الجميع أن الأستاذ “نايف الطّورة” حسم موقفه منذ سنوات، بوقوفه في صف الوطن وقيادته، بعد أن عبّر في مراحل سابقة عن آرائه وملاحظاته من باب الحرص على المصلحة العامة، لا من باب الخصومة أو الاستهداف.
ولم يكن هذا الموقف خافيًا أو قابلًا للتأويل، بل عبّر عنه الرجل بنفسه، وبكل وضوح، فور عودته إلى الأردن، عندما وجّه الشكر والتقدير إلى “جلالة الملك عبدالله الثاني”، وإلى الدولة الأردنية ومؤسساتها وأجهزتها المختلفة، مؤكدًا اعتزازه بوطنه وقيادته وانتماءه الصادق لهذا البلد.
ومن هنا، يصبح من حق الناس أن تتساءل:
إذا كان الهدف فعلًا هو نقل الصورة كاملة، فلماذا يتم التركيز على مقاطع قديمة مجتزأة، بينما يتم تجاهل الفيديوهات والكلمات التي أعلن فيها الأستاذ “الطّورة” موقفه الوطني بشكل واضح وصريح؟
الأمر، في تقديري، لا يحتاج إلى كثير من التحليل، فهناك من يدرك جيدًا أن عودة “نايف الطورة” إلى المشهد الإعلامي، حتى ولو من بوابة زيارة أو ظهور محدود، تعني عودة اسم يمتلك الخبرة والحضور والتأثير، وهو ما يثير قلق بعض الأسماء التي اعتادت البقاء في الواجهة خلال فترة غيابه، وتخشى أي منافسة حقيقية قد تعيد ترتيب المشهد من جديد.
وللأسف، فإن بعض من شاركوا في إعادة نشر تلك المقاطع ظنوا أن بإمكانهم التقليل من حضور الرجل أو التشويش على صورته، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا، لأن الحملة نفسها أعادت تسليط الضوء على اسم “نايف الطّورة”، وأكدت أن الرجل ما زال حاضرًا بقوة في وجدان الناس وفي المشهد الإعلامي.
وفي خضم هذا الجدل، لا بد من التذكير بحقيقة ثابتة يعرفها الأردنيون جميعًا، وهي أن هذا الوطن بقيادته الهاشمية لم يكن يومًا قائمًا على الإقصاء أو الانتقام، بل على الاحتواء والتسامح وفتح الأبواب أمام أبنائه للمشاركة وخدمة الدولة، وهي السياسة التي حافظت على استقرار الأردن وتماسكه عبر العقود.
وهذا تحديدًا ما أشار إليه الأستاذ “نايف الطورة” عندما وصف النظام الملكي الأردني بأنه نظام متسامح وغير دموي، وقادر على استيعاب أبنائه واحتواء الاختلافات ضمن إطار الدولة والقانون، وهي شهادة تنسجم مع تاريخ طويل من الحكمة السياسية التي ميّزت الدولة الأردنية منذ تأسيسها.
إن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي وصحي، والنقد المسؤول جزء من أي بيئة إعلامية ناضجة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد الموضوعي وبين حملات التشويه ومحاولات الاصطياد في الماء العكر وتصفية الحسابات الشخصية عبر إعادة اجترار الماضي وتوظيفه بشكل انتقائي لمصالح ضيقة.
وفي هذا السياق، فإن المسؤولية الوطنية والمهنية تقتضي من الجهات المعنية متابعة المحتوى الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي الوقوف عند ظاهرة إعادة نشر المواد القديمة بشكل موجّه ومقصود، خاصة عندما يكون الهدف الواضح منها إثارة البلبلة والتشويش وإعادة فتح جراح تجاوزها الجميع بروح المسؤولية الوطنية.
وفي النهاية، أثبتت زيارة “نايف الطّورة” حقيقة ربما أزعجت البعض، لكنها كانت واضحة للجميع أن الرجال الذين يصنعون أثرًا حقيقيًا لا تغيب أسماؤهم بسهولة بمجرد منع نشر مقالات تتحدث عنهم ،فالمحبة الصادقة التي تُزرع بين الناس لا يمكن أن تمحوها حملات التشويش، مهما ارتفع الضجيج حولها.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار.