العموم نيوز – العنف الأسري يبدأ بصمت طويل يترك آثاراً عميقة على الأفراد والمجتمع؛ أطفال يفقدون براءتهم، أسر تنهار، وكرامة تُنتهك يومياً. هذه المأساة الإنسانية تستدعي منا التوقف عن الخطاب النظري والانتقال إلى عمل فوري وفعّال يضع حماية الضحايا في مقدمة الأولويات.
الأردن يمتلك إطاراً تشريعياً ووحدات متخصصة ومؤسسات مدنية تقدم خدمات طبية ونفسية وقانونية، وتبذل جهات وطنية أمنية وقضائية واجتماعية جهوداً كبيرة في هذا الميدان الحساس، ويستحق عملها تقديراً واعترافاً لما تقوم به من حماية ودعم للمتضررين. مع ذلك، تبقى الفاعلية الحقيقية مرهونة بسرعة الاستجابة وتكامل الآليات بين الجهات المعنية
من أبرز التحديات العملية التي تعيق حماية الضحايا تشتت المعلومات وضعف الربط الآمن بين المستشفيات والمدارس ومراكز الصحة النفسية ووحدات الحماية والجهات التنفيذية، ما يعيق رصد الأنماط والتدخل المبكر. كما تشكل محدودية بدائل الإيواء وصناديق الطوارئ عائقاً أمام توفير ملاذ آمن ودعماً فورياً للمتضررين. إلى ذلك، تلعب العوامل الاجتماعية والثقافية دوراً محورياً؛ فوصمة التبليغ والضغط المجتمعي على الضحية لقبول الصلح أو العودة إلى البيت، إضافة إلى الاعتماد الاقتصادي على الجاني، تزيد من صعوبة الخروج من دائرة العنف وتطيل دورة المعاناة
ومن منطلق تقديري للجهود الوطنية، من الضروري أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تواجه هذه الجهات أثناء عملها: نقص الموارد البشرية والتدريب المتخصص، ضغوط العمل الميداني، الحاجة إلى آليات تقنية آمنة للربط وتبادل المعلومات، وقيود التمويل التي تحدّ من توسعة شبكات الإيواء والدعم. معالجة هذه التحديات لا تقل أهمية عن وضع السياسات، لأنها تضمن قدرة المؤسسات على تنفيذ الإجراءات بفعالية وحماية كرامة الضحايا
انطلاقاً من مسؤولية إنسانية ومهنية، أقترح حزمة إجراءات عملية قابلة للتنفيذ فوراً وبشكل متكامل تبدأ باعتماد أداة تقييم مخاطر وطنية معيارية يستخدمها المستجيبون الأوائل لتحديد مستوى الخطر واحتياجات الحماية فوراً؛ إنشاء سجل وطني محمي ومشفّر لحالات العنف الأسري يربط الجهات المختصة بضوابط صارمة لحماية الخصوصية لتمكين رصد التكرار وتوجيه الموارد استباقياً؛ إقرار نصوص واضحة تمنع التسويات الأسرية في قضايا العنف الجسيم وتضمن إصدار تدابير حماية فورية قابلة للتنفيذ ميدانياً؛ إطلاق برامج إعادة تأهيل علاجية ومراقبة للجناة مبنية على تقييمات سريرية واجتماعية دقيقة ومؤشرات نجاح قابلة للقياس، بحيث تكون هذه البرامج مكمّلة للمساءلة القانونية وليست بديلاً عنها؛ وإدماج مناهج للمهارات العاطفية وحل النزاع في المدارس وبرامج ما قبل الزواج مع حملات إعلامية وتوعوية ترفض تبرير العنف وتشجع الإبلاغ الآمن..
عملياً، يمكن البدء بتفعيل بروتوكول إحالة مؤقت بين الجهات الرئيسية، وإطلاق مشروع تجريبي لأداة تقييم المخاطر في محافظتين كنموذج قبل التعميم، وتكليف لجنة فنية لصياغة تعديلات تشريعية وإدارية تسهّل التنفيذ، وإنشاء وحدة وطنية لإدارة قاعدة البيانات المشفّرة مع آلية تمويل لدعم الإيواء والعلاج والمساعدة القانونية الفورية. كما أؤكد على ضرورة تعميم تدريب متخصص لمقدمي الخدمة — كوادر طبية وتعليمية وأمنية واجتماعية — على بروتوكولات الإحالة والسرية وتقييم المخاطر، مع توفير دعم نفسي ومهني للعاملين الميدانيين لتخفيف ضغوط العمل وتحسين جودة الاستجابة.
أشيد بالجهود الوطنية المبذولة من الجهات الأمنية والقضائية والاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، وأدعو إلى تعزيز شراكات عملية بينها ومع القطاع الخاص لتوسيع شبكات الإيواء وتمويل الطوارئ وبرامج التمكين الاقتصادي للضحايا. كما أؤكد على أهمية أن تتضمن الاستراتيجية الوطنية آليات لمتابعة التحديات التشغيلية التي تواجه هذه الجهات والعمل على تلافيها عبر تدريب مستمر، موارد مالية مخصصة، وبنية تقنية آمنة للربط وتبادل المعلومات
كمهتمة بهذا الملف ، وفي ضوء تكرار قضايا قتل النساء التي تهز المجتمع وتؤلم الضمائر، أشعر بمسؤولية إنسانية تحتم عليّ أن أتوجه بهذه الاقتراحات كخطوات عملية وعاجلة لحماية الضحايا ومنع المزيد من الأرواح المهدورة. و العمل الآن ينقذ أرواحاً ويعيد للضحايا كرامتهم لأن حماية الأسرة واجب وطني لا يحتمل التأجيل .
المحامية نسرين زريقات — ناشطة في حقوق الإنسان والعدالة الجنائية