لندن: محمد الطّورة
“حين يسقط الرمز… وتضيع البوصلة”
لم يكن اختيار هذا العنوان لمقالي اليوم وليد المصادفة، بل جاء نتيجة تأملٍ عميقٍ في ما شهده الرأي العام من جدلٍ واسع عقب الكشف عن ظهور أسماء عدد من الشخصيات البارزة في وثائق مرتبطة بقضية Jeffrey Epstein. تلك القضية التي شغلت العالم لسنوات عادت لتثير موجة جديدة من التساؤلات والارتباك في الشارع، إذ وجد كثير من الناس أنفسهم أمام صدمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية. فبصرف النظر عن تفاصيل كل حالة ومسارها القضائي، يبقى السؤال الذي يتردد في الضمائر: كيف لقائد أو مسؤول كبير، مؤتمن على مصالح الناس، ومتصدر لموقع الوعظ والإرشاد، أن يسمح لنفسه بالانخراط في أفعالٍ قبيحة أو علاقات مشبوهة تمس القيم التي يُفترض أنه يحميها؟
من هنا تتجلى دلالة المقولة: «من يُصلح الملح إذا الملح فسد؟». فالملح هو العنصر الذي يحفظ غيره من الفساد، ويمنحه التوازن والاستقامة، فإذا أصابه العطب فمن يعيد إليه صلاحيته؟ إنها استعارة تختصر مأساة انهيار المعايير حين يختلّ مصدرها، وتكشف حجم الخطر حين يتصدع الموقع الذي يفترض أن يكون حصناً للقيم.
الملح في هذا السياق رمزٌ للضمير الحي، وللعلماء والقادة وكبار المسؤولين الذين يشكّلون بوصلة المجتمع. فالأمة بطبيعتها تنظر إلى من يتقدمها لتستمد منه القدوة والمعنى. فإذا اهتزت صورة القدوة، لم يتضرر الشخص وحده، بل تضررت الثقة العامة، وبدأ الشك يتسلل إلى كل خطابٍ أخلاقي يصدر عنه أو عن غيره. لأن الناس حين يرون التناقض بين القول والفعل، يفقدون الإيمان بصدق الكلمات، وتتحول المبادئ إلى شعارات خاوية.
وفساد القيادة لا يقف عند حدود السلوك الفردي، بل يمتد أثره إلى البناء الاجتماعي كله. فالقائد عنوان المرحلة، وسلوكه يُقرأ بوصفه معياراً ضمنياً. فإن استقام، استقامت معه مؤسسات كثيرة، وإن انحرف، تسلل الانحراف إلى طبقات متعددة من المجتمع، حتى يصبح الخطأ أمراً عادياً، وتغدو الاستقامة استثناءً يحتاج إلى تبرير.
إن أخطر ما يخلّفه فساد الكبار ليس الفعل ذاته فحسب، بل ما يزرعه في النفوس من إحباط وارتباك. إذ كيف يُطلب من الناس الالتزام بقيمٍ يرون من يتصدرهم يخالفها؟ وكيف تُربّى الأجيال على الصدق والنزاهة إذا كانت النماذج العليا تهدم ما يُبنى في المناهج والخطب؟ عندها لا يكون السؤال عن خطأ فرد، بل عن مصير منظومة أخلاقية بأكملها.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلّمنا أن الأمم لا تسقط لمجرد عثرة، بل حين تتخلى عن يقظتها. فالإصلاح يبدأ باستعادة الوعي، وبالتمييز بين المنصب وصاحبه، وبين القيمة ومن يدّعي تمثيلها. ويبدأ كذلك بإحياء مبدأ المحاسبة، وبترسيخ قناعة أن المسؤولية الأخلاقية تتعاظم كلما تعاظم الموقع.
ولعل من المناسب التذكير بأن هذا المثل العربي القديم قيل في سياق التنبيه إلى خطورة فساد من يُعوَّل عليهم في الإصلاح، إذ شُبِّهوا بالملح الذي يحفظ غيره من التعفّن، فإذا فسد هو نفسه استحال حفظ ما سواه. ومن هنا جاء توظيفه في هذا المقال، لأن المعنى يتجاوز زمانه الأول، ليصيب كل واقعٍ يختلّ فيه حال من أُنيطت بهم مهمة صون القيم وحماية المجتمع.
تبقى مقولة «من يصلح الملح إذا الملح فسد؟» نداءً موجعاً يذكّر كل من جلس في موقع التأثير أن صلاحه ليس شأناً شخصياً، بل أمانة تتعلق بمصير مجتمع بأسره. كما تذكّر الأمة أن صيانة قيمها لا تكون بالتغاضي ولا بالتبرير، بل بالعدل والوعي والتمسك بالحق، حتى لا يفسد الملح، وحتى إن فسد، يجد من يعيد إليه نقاءه قبل أن يستفحل العطب في الجسد كله.

