لندن: محمد الطّورة
قبل أن أبدأ هذا الحديث، أجد من الواجب عليّ التأكيد أن ما أكتبه هنا لا يأتي بقصد الانتقاص من قدرات أحد، أو الإساءة إلى أي شخص أو مؤسسة، كما أنه ليس محاولة لكيل المديح لشخص على حساب آخر. وإنما هو حديث مواطن أردني يعيش في الغربة، يحمل لوطنه محبةً صادقة وحرصًا عميقًا على صورته وسمعته، سواء في الداخل أو الخارج.
فالأردن بالنسبة لنا نحن أبناء الاغتراب ليس مجرد مكان نحمله في جواز السفر، بل هو صورة وهوية وكرامة ندافع عنها في كل محفل. ومن هذا المنطلق جاء هذا المقال؛ بدافع الحرص على هيبة مؤسسات الدولة، وعلى تلك الصورة المشرقة التي اعتدنا أن نراها ونفخر بها أمام العالم.
ليست المشكلة في الخطأ حين يقع، فالدول تُدار بالبشر، والبشر يخطئون، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الخطأ انعكاسًا لحالة من التراخي وفقدان الحس بالمسؤولية، وعندما تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مؤشرات كبيرة على تراجع مستوى الأداء والانتباه داخل بعض مؤسساتنا الرسمية.
هذا الشعور انتابني وأنا أتابع حدثين أثارا استياء الأردنيين داخل الوطن وخارجه خلال الأيام الماضية. الأول ما حدث في السفارة الأردنية بواشنطن، خلال احتفال رسمي بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين، حيث رُفع العلم الأردني بصورة خاطئة ظهرت فيها النجمة بشكل غير صحيح لا يليق برمز سيادي يمثل تاريخ الدولة وهيبتها. أما الحدث الثاني، فكان في وزارة البيئة، حين اختارت الوزارة لغةً قاسية وخارجة عن روح المؤسسة الرسمية في مخاطبة المواطنين بشأن قضية رمي النفايات، وهي قضية نتفق جميعًا على خطورة السلوك المرتبط بها، لكن الاختلاف كان في طريقة الخطاب والأسلوب.
في الحالتين، لم يكن الأمر مجرد خطأ بروتوكولي هنا أو منشور غير موفق هناك، بل كان انعكاسًا لغياب ذلك الحس الإداري الذي كان يجعل المسؤول يدرك أن صورة الدولة تُبنى من التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبيرة، وأن احترام المواطن وهيبة الوطن لا ينفصلان عن طريقة إدارة المشهد اليومي.
وأعترف أن هذه المشاهد أعادتني تلقائيًا إلى سنوات مضت، حين تشرفت بالخدمة بمعية معالي الدكتورة علياء بوران (أم ينال)، خلال عملها سفيرةً للأردن في لندن وواشنطن، حيث كنت رئيسًا لديوان السفارة، إضافةً إلى عملي في مجال التشريفات في كلتا السفارتين. يومها تعلمنا من معالي الدكتورة أم ينال أن السفارة ليست مجرد مبنى، بل صورة وطن كاملة تُعرض أمام العالم، وأن العلم ليس قطعة قماش تُرفع في احتفال، بل رمز تُقاس به درجة احترامنا لأنفسنا قبل احترام الآخرين لنا.
وعلى الرغم من دقتها وتركيزها العالي على التفاصيل، وصرامتها في العمل، وحرصها الشديد على الوقت، فإن معاليها كانت تمتلك إنسانيةً قريبة من الجميع، وقدرة استثنائية على إشعار كل موظف في السفارة بأهميته وقيمته، دون أي تمييز على أساس المسمى الوظيفي أو الدرجة أو حتى الجنس. كانت بالنسبة لنا أختًا كبيرة قبل أن تكون مسؤولة، تشاركنا أفراحنا وأحزاننا، وتقف إلى جانب كل من يلجأ إليها طلبًا للمساعدة أو المشورة. وقد انعكس هذا النهج الإنساني والمهني على بيئة العمل داخل السفارة، فدفع الجميع إلى أداء واجباتهم بأعلى درجات الإخلاص والانتماء، حتى أصبح كل موظف يعمل برقابة ذاتية وشعور حقيقي بالمسؤولية، الأمر الذي ترك أثرًا إيجابيًا واضحًا على أداء السفارات وسمعتها.
كانت معاليها تمتلك حسًا استثنائيًا ،تتابع كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة بنفسها، من ترتيب المقاعد إلى طريقة استقبال الضيوف، ومن صياغة الدعوات إلى شكل العلم المرفوع في القاعة، وكانت تردد دائمًا أن أي تفصيل صغير قد يترك أثرًا كبيرًا على صورة الأردن في أعين الناس. ولم يكن ذلك ترفًا إداريًا، بل ثقافة دولة ومدرسة في العمل العام.
ولعل ما يجعل المقارنة أكثر إيلامًا أن الدكتورة بوران شغلت أيضًا منصب وزيرة البيئة، إلى جانب عملها سفيرةً للأردن في بروكسل، ولم يُعرف عنها يومًا أنها احتاجت إلى الإساءة للناس كي توصل رسالة، أو أنها سمحت لتفصيل صغير أن يسيء إلى صورة المؤسسة التي تقودها. فقد كانت تؤمن أن الاحترام لا ينتقص من هيبة الدولة، بل يعززها.
ولعلّ هذا النهج المهني الرفيع، وذلك الحس العالي بالمسؤولية والانتماء، هو ما جعل معالي الدكتورة علياء بوران تحظى بثقة وتكريم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حين اختارها لتكون عضوًا في مجلس الأعيان لعدة دورات، تقديرًا لمسيرة وطنية ودبلوماسية مشرفة، عكست صورة الأردن بأفضل ما تكون عليه الصورة.
إن الدول لا تُقاس فقط بقراراتها الكبرى، بل أيضًا بطريقة إدارتها لتفاصيلها الصغيرة، لأن تلك التفاصيل هي التي تصنع الانطباع الأول والأخير لدى الناس. وما أحوجنا اليوم إلى استعادة ثقافة المسؤولية والانتباه، لا بدافع الحنين إلى الماضي، بل حفاظًا على صورة وطن يستحق منا جميعًا أن نصونه من أي إساءة أو استهتار، مهما بدا بسيطًا.
فالأوطان لا تضعف بسبب الأعداء وحدهم، بل قد يرهقها أحيانًا غياب الحس بالمسؤولية، والتهاون في التفاصيل، وفقدان ذلك الشعور العميق بأن كل كلمة، وكل تصرف، وكل مشهد، هو جزء من صورة الأردن التي نحملها في قلوبنا قبل أن يراها العالم بأعينه.
حفظ الله الأردن الغالي قيادتأ وشعباً من كل مكروه.
والله ولي التوفيق،،،

