لندن: محمد الطّورة
عطوفة الأخ الأستاذ محمد أبو سماقة، قامة أردنية معروفة، جمع في تجربته بين العمل العام وتولّي عدد من المناصب، وبين الشغف بالثقافة والأدب، فهو روائي وشاعر وكاتب ومثقف له حضوره في المشهد الثقافي الأردني. والكتابة عنه ليست تعريفاً بشخصية أعرفها ويعرفها الأردنيون، بقدر ما هي إضاءة على تجربة تستحق التأمل، وعلى ما تحمله كلماته من دلالات تتجاوز ظاهرها إلى عمق التجربة الإنسانية.
في هذه الصورة لعطوفة الأستاذ أبو يزيد، لا تقف الحكاية عند رجل يقف أمام بابٍ خشبيٍّ كبير، ولا عند صورةٍ تستعيد زمناً مضى قبل خمس سنوات؛ بل نحن أمام مشهدٍ تختبئ خلف بساطته دلالةٌ عميقة، تختصرها العبارة المرفقة: «صحيح إننا نقف بجانب الباب.. لكن المفتاح بأيدينا».
إنها عبارة تتجاوز معناها المباشر لتلامس فلسفة الإنسان في علاقته بالحياة والمناصب والفرص، بل وفي علاقته بذاته وبالآخرين.
فالباب، في رمزيته، قد يكون باب المنصب، أو باب النجاح، أو باب المعرفة، أو حتى باب مرحلة جديدة من العمر. أما المفتاح، فهو جوهر الحكاية؛ لأنه يرمز إلى امتلاك القرار، والقدرة على الاختيار، والإيمان بأن الإنسان ليس مجرد واقف على عتبة الانتظار، بل صاحب إرادة يستطيع بها أن يفتح الأبواب أو يختار ألّا يدخلها.
ولعل أعمق ما في العبارة أنها تميّز بين الوقوف أمام الفرصة وامتلاك القدرة على التعامل معها. فكثيرون يقفون أمام الأبواب، يترقبون أن تُفتح لهم، أو ينتظرون من يمنحهم الإذن بالعبور، لكن ثمة فرقاً بين من ينتظر أن يصنع الآخرون مستقبله، ومن يدرك أن جزءاً أساسياً من مستقبله يرتبط بموقفه ووعيه وقراره.
وإذا قرأنا العبارة في ضوء ما عُرف عن الأستاذ محمد أبو سماقة من تولّيه مناصب متعددة، إلى جانب اهتمامه بالأدب والرواية والشعر والكتابة، فإن الصورة تكتسب بُعداً إضافياً. فالمناصب، مهما تعددت، تظل أبواباً عابرة في حياة الإنسان، أما ما يتركه من أثر فكري وثقافي وإنساني، فهو الذي يمنح تجربته معناها الأبعد. فالمنصب قد يتيح للمرء الوقوف عند أبواب كثيرة، لكن الثقافة والوعي والخبرة هي ما يمنحه القدرة على فهم قيمة كل باب، وما وراءه، وما إذا كان يستحق العبور إليه.
وهنا تتجلى حكمة العبارة في أنها لا تتحدث عن المفتاح بوصفه أداةً للفتح فحسب، بل بوصفه رمزاً للمسؤولية أيضاً؛ فمن يملك المفتاح يملك، إلى حدٍّ ما، قرار الدخول، لكنه يتحمل كذلك تبعات اختياره. وليس كل باب مغلق تحدياً ينبغي تجاوزه، كما أن ليس كل باب مفتوح فرصة تستحق العبور. فالحكمة ليست في كثرة الأبواب التي نفتحها، وإنما في معرفة الأبواب التي تستحق أن نفتحها، والغايات التي تستحق أن نمضي إليها.
أما اختيار الصورة، بما فيها من وقفة هادئة أمام بابٍ ضخم، فينسجم مع العبارة ويمنحها طابعاً تأملياً. فالرجل يقف إلى جوار الباب، لا يبدو مستعجلاً للعبور، وكأن الصورة تترك لنا مساحةً لنتساءل: هل تكمن قيمة الإنسان في الأبواب التي دخلها، أم في قدرته على أن يختار متى يدخل، ومتى ينتظر، ومتى يواصل طريقه نحو باب آخر؟
إنها، في المحصلة، عبارة عن الاستقلال في القرار أكثر مما هي عبارة عن السلطة أو النفوذ. وهي تذكير بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المناصب التي شغلها، ولا بعدد الأبواب التي فُتحت أمامه، بل بما يحمله من وعي، وما يمتلكه من إرادة، وما يتركه من أثر.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه القراءة أن نقول:
ليس كل من وقف أمام بابٍ كان عاجزاً عن فتحه، وليس كل من امتلك مفتاحاً عرف أيَّ الأبواب يستحق أن يُفتح. فالحياة لا تحتاج منا إلى مفاتيح كثيرة بقدر ما تحتاج إلى بصيرةٍ تعرف قيمة الأبواب، وحكمةٍ تحسن الاختيار، وشجاعةٍ تتحمل مسؤولية العبور.
فالمفتاح في اليد، نعم، لكن الحكمة الحقيقية في العقل الذي يقرر، والضمير الذي يوجّه، والأثر الذي يبقى بعد أن تُغلق الأبواب.