لندن: محمد الطّورة
كفى استعراضًا للقوة على حساب الحقيقة، وكفى تسجيلًا للمواقف على حساب معاناة الناس. لسنا في ساحةٍ لتصفية الحسابات ولا في لحظةٍ يُعاد فيها نبش الماضي واستحضار أخطائه لتلميع صورٍ باهتة. ما نعيشه اليوم أكبر من كل ذلك، وأثقل من أن يُختزل في خطاباتٍ متعالية أو بطولاتٍ متأخرة.
كفى فردًا للعضلات في زمنٍ يحتاج إلى التعقل، وكفى اجترارًا لماضٍ لم يخلُ أحدٌ من تبعاته. فمن منكم بلا خطأ؟ ومن منكم يملك سجلًا نقيًا ليقف في موقع المُدين؟ إن رمي الآخرين بالحجارة لن يبرئ أحدًا، بل سيعمّق الجراح ويؤجل التعافي.
ليس هذا وقت الادعاء ولا المزايدات، بل وقت مراجعة النفس، وخفض الصوت، وتقديم مصلحة الناس على كل اعتبار. فمن أراد أن يتحدث، فليتحدث بوعيٍ ومسؤولية، لا بروح المنتصر على أنقاض الحقيقة.
في هذا الزمنٍ الذي تتكاثف فيه الأزمات وتثقل فيه الأيام بوقع الأخبار المؤلمة، يصبح للإعلام دورٌ يتجاوز السبق الصحفي وعدّاد المشاهدات، ليصل إلى مساحة أعمق: مساحة المسؤولية الأخلاقية والوعي الجمعي.
لم أكن… راغباً ….في طرح هذا الموضوع في هذه الأيام لكن ما دفعني لكتابة هذه المناشدة ليس موقفًا نظريًا أو رغبةً في الجدل، بل مشاهدات متكررة لشخصيات تتصدر الشاشات والمنصات، لا لتقديم قراءة رصينة أو تحليلٍ يضيء للناس الطريق، بل لتسجيل “بطولات” لفظية واستعراض مواقف كان الأجدر أن تبقى في إطار التقييم الهادئ والمسؤول. رأيت اليوم مسؤولًا سابقًا، كان يومًا في موقع المعارضة، يتحول أمام الكاميرا إلى باحثٍ عن الأضواء، وكأن الظرف القاسي الذي تعيشه المنطقة ليس كافيًا لفرض قدرٍ أعلى من التواضع والانضباط.
بل إن ما يزيد الأمر خطورة هو إصرار البعض على نكأ الجراح، من خلال التفاخر بإجراءاتٍ سابقة، والادعاء بأن في عهده الميمون تم طرد هذه المجموعة أو تهميش تلك الفئة أو التضييق عليها، وكأن إعادة فتح هذه الملفات المؤلمة يمنحهم صك بطولة متأخر. في حين أن الواقع لا يحتمل استدعاء الانقسامات، ولا يحتمل خطابًا يعيد إنتاج الألم بدلًا من تجاوزه.
إن ما تمر به شعوبنا اليوم ليس مشهدًا عابرًا، ولا مادةً للترند أو زيادة المتابعين. إنه واقعٌ موجع، يفرض على الجميع—وخاصة وسائل الإعلام—أن تعيد النظر في معايير الاستضافة ومن تمنحهم المنصات. فليس كل من امتلك رأيًا أو تجربة سابقة مؤهلًا لأن يكون صوتًا في لحظة حساسة كهذه.
وهنا، لا بد من التوضيح: هذه الدعوة ليست بأي حالٍ من الأحوال مطالبة بتكميم الأفواه أو إقصاء المحللين العسكريين والسياسيين الجادين. على العكس، نحن أحوج ما نكون إلى أصوات خبيرة، متزنة، تقدم فهمًا حقيقيًا لما يجري، بعيدًا عن المبالغة والاستعراض.
لكن ما نرفضه هو تحويل المنصات الإعلامية إلى مسارح لمن يبحثون عن إثبات وجودهم على حساب الوعي العام. نرفض أن يصبح الألم مادةً للاستعراض، وأن تتحول المعاناة إلى خلفيةٍ لخطاباتٍ متضخمة، يعلو فيها الصوت ويغيب فيها المعنى.
إن المسؤولية اليوم مشتركة:
مسؤولية إعلامٍ ينتقي ضيوفه بعناية، ويقدّم للمشاهد ما يفيده لا ما يثيره فقط.
ومسؤولية متحدثٍ يدرك أن الكلمة في زمن الأزمات قد توازي الفعل في أثرها.
لسنا في وقت “الرقص في العتمة”، ولا في لحظة استعراض عضلات أو تسجيل مواقف للتاريخ الشخصي. نحن في لحظة تحتاج إلى صدق، ووعي، واحترام لعقول الناس وآلامهم.
فلنضع مصلحة البلاد والعباد فوق أي مكسبٍ شخصي، ولنجعل من الإعلام منصةً للتبصير لا للتضليل، وللتخفيف لا للتأجيج.
أرجو أن تكون الفكرة وصلت.

