لندن: محمد الطّورة
الأردن في زمن العاصفة… حين تصبح الحكمة ضرورة وطنية
في أزمنة الحروب تتغير أولويات الدول، وتصبح الحكمة في إدارة الشأن العام أهم من أي جدل سياسي أو تشريعي. فالمنطقة اليوم تقف على حافة مرحلة شديدة الاضطراب، والحرب التي تشتعل في الإقليم لا تبدو حربًا عابرة يمكن تجاهل تداعياتها. وفي مثل هذه اللحظات، يكون المطلوب من الجميع أن يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن تتجه الجهود نحو تحصين الجبهة الداخلية قبل أي شيء آخر.
ومن هذا المنطلق، أتوجه إلى دولة رئيس الوزراء برجاء صادق بأن تعيد الحكومة النظر في مسألة إحالة مشاريع قوانين جديدة إلى مجلس الأمة خلال هذه المرحلة الدقيقة. فالوقت ليس مناسبًا لفتح ملفات تشريعية قد تثير الخلافات أو السجالات تحت القبة، لأن المرحلة الحالية تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من التماسك الوطني، لا إلى مزيد من الانقسامات.
وما حدث يوم أمس أثناء مناقشة مجلس النواب للمشروع المعدل لقانون الضمان الاجتماعي، وما رافقه من توتر وخلافات بين عدد من النواب ورئاسة المجلس، يعكس بوضوح أن طرح ملفات خلافية في هذا التوقيت قد يفتح الباب أمام انقسامات نحن في غنى عنها. فالبلاد اليوم بحاجة إلى تهدئة الأجواء السياسية، وتوجيه الطاقات نحو حماية الاستقرار الداخلي.
ومن الحكمة في مثل هذه الظروف تأجيل المشاريع غير الضرورية التي يمكن أن تنتظر حتى تتضح صورة المشهد الإقليمي، وأن تركز الحكومة جهودها على إدارة المرحلة بحذر ومسؤولية، بما يعزز صلابة الجبهة الداخلية سياسيًا واقتصاديًا.
كما أن المرحلة تفرض علينا جميعًا — حكومة ومؤسسات — قدرًا أعلى من الانضباط في الإنفاق العام. فالظروف الإقليمية غير المستقرة تستوجب التعامل مع الموارد المالية للدولة بحذر شديد، وإعطاء الأولوية لما هو ضروري فقط. ومن هنا فإن المطلوب اليوم تبني سياسة واضحة في الاقتصاد بالنفقات، والحد من المصروفات غير الضرورية، وتقليص إرسال الوفود الرسمية إلى الخارج إلا في الحالات التي تفرضها الضرورة. كما أن هذا النهج يجب أن يشمل جميع مؤسسات الدولة، بما في ذلك سفاراتنا في الخارج، بحيث تسود ثقافة الترشيد والانضباط المالي في مختلف مؤسسات الدولة.
لكن المسؤولية الوطنية لا تقتصر على الحكومة وحدها، فالمجتمع شريك أساسي في مواجهة التحديات. ونحن في هذا الشهر الفضيل أحوج ما نكون إلى استحضار قيم الاعتدال والتكافل. ومن هنا فإنني أناشد إخوتي المواطنين أن يتجنبوا مظاهر الإسراف في موائد الإفطار، وأن يخففوا من الاستهلاك والتسوق غير الضروري، وأن يتوقفوا عن هدر الطعام. كما أن الظروف الحالية تستدعي تأجيل الحفلات بمختلف أنواعها، فالأوقات الصعبة تتطلب منا قدرًا أعلى من الوعي والتضامن.
إن نتائج الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا تبشر بالخير، وقد تمتد آثارها الاقتصادية والسياسية إلى المنطقة بأسرها. ومن الحكمة أن نستعد لتداعيات قد لا تكون سهلة، وأن نتصرف بوعي ومسؤولية، خصوصًا على الصعيد الاقتصادي والمعيشي.
وفي خضم هذه التحديات، يبقى الأهم أن نحافظ على وحدتنا الوطنية. فالأردن اليوم يحتاج إلى خطاب يجمع ولا يفرق، وإلى مواقف تعزز الثقة لا التشكيك، وإلى الابتعاد عن المزاودات السياسية أو لغة التخوين التي لا تخدم أحدًا.
كما أن دعم قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية واجب وطني، ليس بالضجيج أو الشعارات، بل بالثقة والالتفاف حول مؤسسات الدولة، وبالحرص على عدم إثارة الفتن أو الانقسامات.
فالأردن وطن لنا جميعًا، يقوده ملك هاشمي عُرف بحرصه الدائم على أمن البلاد واستقرارها، ويستند إلى جيش قوي يحمل عقيدة راسخة، وأجهزة أمنية تعمل بكفاءة ومهنية، ومؤسسات وطنية شكلت على الدوام صمام الأمان لهذا الوطن.
صحيح أن الأردن ليس طرفًا في هذه الحرب الدائرة، لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب كثيرًا ما تتسع دوائرها. لذلك فإن الاستعداد الحكيم — اقتصاديًا واجتماعيًا ومعنويًا — هو الضمان الحقيقي لعبور أي عاصفة بأقل الخسائر الممكنة.
فلنتأهب، ولنقتصد، ولنتمسك بوحدتنا الوطنية… فالأوطان في الأوقات الصعبة لا يحميها إلا وعي أبنائها وتماسكهم.
والزمن — كما يقول الحكماء — غدّار.