لندن: محمد الطّورة
إلى كل مسؤول في وطني ..المال العام أمانة، وترشيده لا ينتقص من هيبة الدولة؛ بل يعزز الثقة بها.
حين تكون البساطة في أعلى هرم الدولة… رسالة إلى كل مسؤول
لفت نظري هذه الصورة، قبل تفاصيلها، إلى معنى بسيط وعميق: ليس المنصب العام بحاجة إلى مظاهر البذخ حتى يحافظ على هيبته.
فالمشهد الذي يظهر فيه الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمير الحسين وهما يتناولان سندويشات بسيطة دون مظاهر تكلف، يمكن أن يُقرأ باعتباره نموذجاً للبساطة في التعامل مع الطعام والضيافة. والأهم من الصورة نفسها هو السؤال الذي تطرحه على مؤسسات الدولة ومسؤوليها: هل تستطيع ثقافة الإنفاق الحكومي أن تكون أكثر ترشيداً، وأكثر إحساساً بظروف الناس؟
هذا السؤال يصبح أكثر أهمية في بلد ما زال يواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية واضحة. فالبنك الدولي يذكر أن معدل الفقر الوطني في الأردن بلغ 15.7% وفق مسح دخل ونفقات الأسرة 2017-2018، مع التنبيه إلى أن نتائج مسح 2021-2022 لم تكن قد صدرت بعد وفق آخر تحديث منشور. World Bank
وفي الوقت نفسه، تقدر موازنة الأردن لعام 2026 إجمالي النفقات العامة بنحو 13.056 مليار دينار، فيما تبلغ النفقات الجارية المقدرة نحو 11.456 مليار دينار. كما تتضمن الموازنة مخصصات للحماية الاجتماعية ودعم الخبز والسلع الاستراتيجية وغيرها من البنود الموجهة لتخفيف الأعباء عن المواطنين. Ministry of Finance
ومن هنا، فإن القضية ليست في قيمة سندويشة أو وجبة بعينها، ولا في منع الضيافة الرسمية التي قد تكون لها مقتضياتها، وإنما في ثقافة الإنفاق العام ككل.
فحين تُدفع من المال العام فواتير متكررة للولائم، والضيافات، والطلبات الغذائية المكتبية، والمبالغة في أصناف الطعام والكميات، يصبح من المشروع أن يسأل المواطن: هل كل ذلك ضروري؟ وهل يتناسب مع مفهوم الإدارة الرشيدة للمال العام؟
المطلوب ليس حرمان المسؤول من الطعام، ولا تحويل العمل الحكومي إلى حالة من التقشف الشكلي، وإنما وضع قواعد واضحة وعادلة للضيافة والمصروفات المكتبية: سقوف للإنفاق، ومبررات للطلبات غير الاعتيادية، وضوابط للكميات، وأولوية للمناسبات التي تستدعي فعلاً ضيافة رسمية، مع رقابة ومراجعة دورية.
وهذه ليست فكرة غريبة عن مؤسسات الدولة؛ فديوان المحاسبة الأردني يختص أصلاً بتدقيق إيرادات الدولة ونفقاتها، والتأكد من سلامة إنفاق الأموال العامة من الناحيتين القانونية والفعالة.
المسؤول الذي يتعامل مع المال العام باعتباره أمانة، لا باعتباره ميزانية مفتوحة، يرسل رسالة أقوى من أي تعميم إداري.
والاقتداء بالبساطة، أياً كان مصدرها، لا يعني أن يأكل المسؤول ما يأكله المواطن فحسب؛ بل يعني أن يشعر بأن كل دينار يُنفق من الخزينة هو في النهاية مال للمواطنين، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لما يمس حياتهم وخدماتهم ومعيشتهم.
وفي بلد توجد فيه أسر تحتاج إلى كل دعم ممكن، فإن مراجعة المصروفات التي يمكن الاستغناء عنها ليست ترفاً إدارياً. وقد يكون توفير مبالغ صغيرة من عشرات أو مئات البنود أمراً يبدو محدوداً منفرداً، لكنه يصبح ذا معنى عندما يتحول إلى ثقافة مؤسسية مستمرة.
لذلك، ربما حان الوقت لأن تراجع الوزارات والدوائر والمؤسسات العامة سياسة الضيافة والمأكولات والمشروبات والطلبات المكتبية، وأن تسأل في كل فاتورة:
هل هذه النفقة ضرورية؟
هل هي متناسبة؟
وهل يمكن إنفاق المال العام عليها بطريقة أكثر اقتصاداً؟
فالقدوة الحقيقية في الإدارة العامة لا تُقاس بحجم المائدة، وإنما بمدى احترام المسؤول للقرش الذي يدفعه المواطن من جيبه إلى الخزينة.