زمن الردع العربي .. متى يأتي؟

#image_title

زتشكل الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، والتي تعيش هدنة بين مد وجزر، أحد أهم المنعطفات في تاريخ العرب الحديث، ذلك أنها كشفت، وبجلاء تام، أن إيران جار لا يمكن الوثوق به، وأن الدول العربية، خليجية وغيرها، ستكون في مرمى نيرانه في اللحظة التي تندلع فيها الحرب ضده. وقد كان ذلك.

وابل الصواريخ وأسراب المسيّرات التي عاثت فسادا، وما تزال إلى حد ما، في سماء الخليج العربي خلال الحرب الأخيرة هي نتيجة لنظام قائم على عقيدة أيديولوجية ثورية لن تردعه الدبلوماسية، وسياسة الاحتواء، وتجنب التصعيد وحدها.

أما مجابهة ذلك، فيتطلب بلورة عقيدة عربية عسكرية تقوم على أساس بناء ترسانة جماعية بقدرات دفاعية وهجومية مشتركة في ذات الوقت.
واهم من يظن أن نظام الملالي في طهران سيغير سلوكه مستقبلا، إلا إذا أيقن وجود منظومة عسكرية عربية مدججة بالسلاح. والرسالة واضحة: أي صاروخ يُطلق على أي عاصمة أو مدينة عربية هو إعلان حرب على جميع العرب، وليكن الرد وقتها جماعيا وسريعا.

المنطق الذي يدعو للتعامل مع إيران دبلوماسيا وسياسيا فقط هو منطق أسقطه سلوك النظام الإيراني في الحرب الأخيرة للأسف. فنظام يقصف جيرانه، ويروع طرق التجارة الخاصة بهم لا يمكن أن يكون شريكا في سلام مع من حوله، إلا إذا أُجبر على ذلك. ولن يخضع إلا إذا أدرك أن العرب قادرون على حربه، وحتى هزيمته.
لا تملك دول الخليج العربي تحديدا ترف الانتظار، بينما تبقى مدنها وازدهارها الاقتصادي، أساس قوتها، رهينة لحرب قد تشتعل في أي لحظة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

ما تقدم ليس خطابا للاستهلاك الإعلامي، بل دعوة إلى نظام عربي يمتلك جميع المقومات من مال وتكنولوجيا وعقول وسواعد ليشكل بعبعا لإيران، وليس العكس.

علينا جميعا أن نعي أن الردع، وكما آمن داهية السياسة والحرب عبر التاريخ، الثعلب الإنجليزي، رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل، لن يتحقق إلا إذا نجحنا في ترجمة مقولته الشهيرة: “نفوذ الدول يقاس بمسافة نيران مدافعها”، ومعنى ذلك عربيا أن الهدف من بناء القوة العسكرية العربية المطلوبة ليس شن الحروب، بل ترسيخ قدرتنا على الردع المشترك. وبذلك وحده تتحقق معادلة فرض السلام بالقوة، والتي يتغنى بها الكثيرون من القادة حول العالم، وأولهم سيد البيت الأبيض، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
لا يهمنا عربا إن تهاوى نظام طهران أم استمر، بل ما يهمنا تحجيمه لدرجة يخشى بها: أننا معا قادرون على هزيمته إن فكر، هو أو غيره، في إيذائنا مستقبلا.

سيجادل الكثيرون أن العرب لم يتفقوا عبر التاريخ في مواقفهم، فكيف يتفقون مستقبلا على ما يتطب إرادة حديدية وفعل؟ ولأولئك أقول: علينا جميعا أن ندرك ألا مكان لنا بين الأمم لنحمي، قبل كل شيء، كرامتنا على هذه الأرض إلا بوحدتنا الحقيقية.

وليبدأ الأمر بجهد مؤسسي تقوده الجامعة العربية، بعيدا عن توقيع معاهدات دفاع مشترك لا تفعّل وقت الحاجة للأسف، كتلك في الخمسين من القرن الماضي!

Related posts

الخليج وإيران .. الجغرافيا عندما تعاند السياسة!!!

الإعلام والسياسة وأزمة المعنى في الأردن

وقف عمليات مصفاة الزاوية الليبية وسط اشتباكات بالقرب منها