الخليج وإيران .. الجغرافيا عندما تعاند السياسة!!!

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ظلّ الخليج العربي يعيش على إيقاع علاقة معقّدة تجمع بين سطوة الجغرافيا والتاريخ المتشابك والقلق الأمني المتبادل. فعلى الرغم من أن دول الخليج وإيران ترتبط بروابط الدين والتجارة والتاريخ البحري والمصالح الاقتصادية، فإن العقود الماضية شهدت موجات متلاحقة من التوتر، بلغت ذروتها خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم عادت لتتراجع تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة مع مسار المصالحة الذي رعته الصين بين السعودية وإيران عام 2023.

إلا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما الضربات الإيرانية التي طالت أراضي وقواعد في بعض دول الخليج بحجة استخدامها منطلقًا لعمليات أميركية ضد إيران، أعادت المنطقة إلى أجواء الشكوك القديمة، ووضعت العلاقات الخليجية الإيرانية أمام اختبار بالغ الخطورة.

لقد مثّلت هذه الضربات، بالنسبة إلى كثير من الخليجيين، «كسرًا لمحرمات سياسية وأمنية» استقرت لعقود. فحتى في ذروة الخلافات السابقة، كانت هناك خطوط حمراء غير معلنة، أهمها عدم نقل الصراع العسكري المباشر إلى العمق الخليجي بصورة علنية ومباشرة. أما اليوم، فإن استهداف أراضٍ خليجية يعني عمليًا أن إيران نقلت المواجهة من إطار الردع السياسي إلى معادلة تهدد الأمن السيادي لدول الخليج نفسها.

المعضلة هنا أن إيران تنظر إلى الوجود العسكري الأميركي في الخليج باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، بينما ترى دول الخليج في هذا الوجود جزءًا من منظومتها الدفاعية في منطقة مضطربة. وبين هذين التصورين، تحولت القواعد العسكرية إلى نقاط اشتباك محتملة، تدفع دول الخليج ثمنها رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا في الحرب.

لكن السؤال الأكثر أهمية: هل كانت إيران مضطرة فعلًا إلى هذا الخيار؟

في السياسة، ليست القدرة على الرد وحدها معيار القوة، بل القدرة على اختيار الرد الذي يحقق المكاسب ويقلل الخسائر. وكان بإمكان طهران ـ نظريًا على الأقل ـ أن تلجأ إلى خيارات أخرى أقل كلفة وأكثر ذكاءً من ضرب القواعد داخل دول الخليج.

كان يمكن لإيران، على سبيل المثال، أن تتجه نحو تصعيد دبلوماسي واسع عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وأن تقدم نفسها كدولة تتعرض لاعتداءات انطلقت من أراضٍ مجاورة، دون أن تجرّ المنطقة إلى مواجهة مباشرة. وكان بإمكانها أيضًا استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي.

كانت إيران تملك فرصة تاريخية لتحويل التعاطف الشعبي العربي والإسلامي معها ـ في ظل الحرب مع إسرائيل ـ إلى حالة سياسية أوسع، لكنها خسرت جزءًا مهمًا من هذا الرصيد حين بدا وكأنها تعاقب دولًا عربية وخليجية أكثر مما تضغط على إسرائيل نفسها. وهنا تحديدًا تكمن الفائدة الاستراتيجية الكبرى التي حققتها إسرائيل.

فإسرائيل، التي كانت تنظر بقلق بالغ إلى المصالحة الخليجية الإيرانية، تدرك أن أي تقارب بين الطرفين يقلل من قدرتها على بناء تحالفات إقليمية قائمة على «الخطر الإيراني». لذلك فإن عودة التوتر بين الخليج وإيران تمثل، بالنسبة إليها، مكسبًا استراتيجيًا هائلًا، لأنها تعيد إنتاج البيئة السياسية التي ازدهرت فيها اتفاقات التطبيع والتحالفات الأمنية الإقليمية خلال السنوات الماضية.

ولو أردنا تعداد نقاط الاستفادة الإسرائيلية، لوجدناها تتمثل في الآتي:

أولًا: إعادة ترسيخ صورة إيران كتهديد مباشر لدول الخليج، بعد أن بدأت تلك الصورة تتراجع تدريجيًا منذ اتفاق بكين.

ثانيًا: دفع دول الخليج ـ أو بعضها على الأقل ـ إلى العودة بصورة أكبر نحو المظلة الأمنية الأميركية والإسرائيلية، بعدما كانت هناك محاولات لبناء سياسة توازن أكثر استقلالية.

ثالثًا: ضرب مسار الثقة البطيء الذي بدأ يتشكل بين العرب وإيران بعد سنوات من القطيعة والتوتر.

وربما الأخطر من كل ذلك أن هذه التطورات أعادت إلى الذاكرة الخليجية جراح الحرب العراقية الإيرانية، حين دعمت غالبية دول الخليج العراق خوفًا من تمدد الثورة الإيرانية. وقد احتاج الطرفان إلى عقود طويلة لتجاوز آثار تلك المرحلة، لكن الضربات الأخيرة أعادت إحياء سؤال قديم في العقل الخليجي: هل تستطيع إيران فعلًا التعايش مع منظومة خليجية مستقلة، أم أنها ما تزال تنظر إلى الخليج بوصفه ساحة نفوذ وصراع؟

ومع ذلك، فإن الحديث عن عودة العلاقات إلى «العداء الكامل» قد يكون مبالغًا فيه، فالجغرافيا أقوى من الانفعالات السياسية المؤقتة. وإيران لا تستطيع تغيير موقعها، ودول الخليج لا تستطيع نقل نفسها إلى جوار آخر، وهذه الحقيقة الجغرافية الصلبة تفرض في النهاية نوعًا من التعايش مهما بلغت حدة التوتر.

كما أن التحولات الاقتصادية الكبرى في الخليج، وخاصة في السعودية والإمارات وقطر، تجعل الاستقرار الإقليمي ضرورة وجودية لا مجرد خيار سياسي. فدول الخليج اليوم تبني اقتصادات ما بعد النفط، وتستثمر مئات المليارات في السياحة والتكنولوجيا والبنية التحتية، وهي تدرك أن أي حرب طويلة مع إيران ستعني تهديد هذه المشاريع الحيوية والعملاقة.

وفي المقابل، تدرك إيران أنها تعاني اقتصاديًا وسياسيًا، وأن الدخول في صدام مفتوح مع الخليج سيضاعف عزلتها ويستنزفها أكثر، خصوصًا أن دول الخليج لم تعد كما كانت في الثمانينيات؛ فهي اليوم أكثر قوة وتأثيرًا وارتباطًا بالاقتصاد العالمي.

لذلك، فإن مستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية لن يكون، على الأرجح، حربًا شاملة ولا سلامًا كاملًا، بل صيغة معقدة من «التنافس المنضبط».

ومن المتوقع أن تدفع صدمة المرحلة الحالية الطرفين لاحقًا إلى قناعة أكثر عمقًا، مفادها أن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى بالصواريخ وحدها، ولا بالقواعد الأجنبية وحدها، بل بحوار إقليمي حقيقي يعترف بمصالح الجميع ويؤسس لعقيدة أمن جماعي لا تقوم على التخويف المتبادل.

Related posts

زمن الردع العربي .. متى يأتي؟

الإعلام والسياسة وأزمة المعنى في الأردن

وقف عمليات مصفاة الزاوية الليبية وسط اشتباكات بالقرب منها