لندن: محمد الطّورة
الرواشدة صحفيٌّ حمل ذاكرة الجنوب إلى الرواية، ومسؤولٌ ظلّ وفياً للكلمة والثقافة
في المشهد الثقافي والصحفي الأردني أسماءٌ لا يمكن أن تُقرأ سيرتها من زاوية واحدة. ومن هذه الأسماء يبرز رمضان الرواشدة، الصحفي والكاتب والروائي والإعلامي الذي امتدت تجربته بين بلاط صاحبة الجلالة، ومؤسسات الدولة، وفضاءات الأدب، وظل طوال هذه الرحلة يحمل في داخله انحيازاً واضحاً للإنسان الأردني، وللمكان الذي تشكلت فيه ذاكرته، وللحكاية التي كثيراً ما ظلت خارج الكتب الرسمية.
ومن هنا تبدو الصورة التي نشرها أخيراً، وهو يوقع اتفاقية نشر مجموعته القصصية الجديدة “ابن سكينة” مع الأستاذ ماهر الكيالي، مدير عام المؤسسة العربية للدراسات والنشر، أكثر من مجرد صورة لتوقيع عقد. إنها صورة تختصر مسيرة طويلة لرجل ظل الكتاب حاضراً في حياته، حتى عندما شغل مواقع متقدمة في الإعلام الرسمي ومؤسسات الدولة.
فالرواشدة، الذي عرفته الصحافة الأردنية كاتباً وصحفياً، انتقل إلى مواقع المسؤولية الإعلامية دون أن يتخلى عن هويته الثقافية. تولى إدارة وكالة الأنباء الأردنية “بترا”، ثم أصبح مديراً عاماً لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردني، كما ترأس لاحقاً مجلس إدارة المؤسسة الصحفية الأردنية «الرأي» و«جوردن تايمز». وتشير المصادر الرسمية إلى أنه شغل كذلك مواقع في رئاسة الوزراء والديوان الملكي، من بينها مستشار إعلامي لرئيس الوزراء ومنسقاً للعلاقات العامة في مكتب رئيس الديوان الملكي الهاشمي.
وهكذا، فإن سيرة الرواشدة المهنية تكاد تكون مرآة لجزء من تاريخ الإعلام الأردني الحديث؛ فقد عرف الصحيفة من الداخل، وعرف وكالة الأنباء، وعرف الإذاعة والتلفزيون، واقترب من دوائر صناعة القرار، لكنه ظل يعود دائماً إلى عالم الكتابة.
الصحافة التي صنعت الكاتب
كان العمل الصحفي بالنسبة إلى رمضان الرواشدة أكثر من وظيفة. فقد عمل صحفياً وكاتباً وسكرتيراً للتحرير في صحيفة «الرأي»، كما عمل مراسلاً لصحيفة «المستقبل» اللبنانية وإذاعة الشرق في باريس. هذه الخبرات المتنوعة منحته قدرة على النظر إلى الأحداث من أكثر من زاوية، وعلى الاقتراب من تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية الأردنية والعربية.
ولعل هذه الخلفية الصحفية تفسر حضور الواقع السياسي والاجتماعي في كتاباته الأدبية؛ فشخصياته ليست منفصلة عن بيئتها، وأمكنته ليست مجرد ديكور روائي، والتاريخ عنده ليس تواريخ جامدة، بل حياة بشر وذاكرة وأحلام وصراعات.
لقد ظل الصحفي في داخل الروائي، وظل الروائي حاضراً في داخل الصحفي.
الرواشدة… رجل الدولة الذي لم يغادر الثقافة
من اللافت في تجربة الرواشدة أنه شغل مواقع رسمية وإعلامية رفيعة، لكنه لم يسمح للوظيفة بأن تطغى على المثقف فيه.
فقد كان عضواً في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية التي تشكلت عام 2021، وأسهمت في إعداد توصيات وقوانين تتعلق بالأحزاب والانتخاب والتعديلات الدستورية والإدارة المحلية وتمكين الشباب والمرأة.
وقبل ذلك، كان قد تنقل بين مواقع إعلامية ورسمية متعددة، الأمر الذي جعله واحداً من الصحفيين الأردنيين الذين جمعوا بين الممارسة المهنية والمعرفة العميقة بمؤسسات الدولة.
لكن اللافت أن هذه المواقع لم تقطع صلته بالأدب؛ بل إن تجربته الإدارية والسياسية أصبحت لاحقاً مادة من المواد التي أعاد تشكيلها أدبياً، وكأن السنوات التي قضاها قريباً من «السرايا» منحته بعداً آخر لفهم «القرايا».
من “الحمراوي” إلى “ابن سكينة”
بدأ رمضان الرواشدة مشروعه الأدبي منذ عقود، فأصدر مجموعته القصصية “انتفاضة وقصص أخرى”، ثم روايته “الحمراوي”، ومجموعة “تلك الليلة”، ورواية “أغنية الرعاة”، ثم “النهر لن يفصلني عنك”، و”جنوبي”، و”المهطوان”، و”حكي القرايا”.
وكانت “الحمراوي” محطة فارقة في مسيرته؛ فقد نال عنها جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية عام 1994، كما تحولت الرواية لاحقاً إلى عمل إذاعي حصل على جائزة أفضل نص وإخراج في مهرجان الإذاعات العربية في تونس
وهذا النجاح المبكر لم يكن مجرد جائزة، بل كان إعلاناً عن ولادة صوت روائي أردني يمتلك قدرة على تحويل التجربة المحلية إلى أدب قادر على الوصول إلى القارئ العربي.
الجنوب… المكان الذي يتحول إلى شخصية
وإذا كان ثمة مكان يمكن أن نبحث فيه عن روح رمضان الرواشدة الأدبية، فهو الجنوب الأردني.
فالجنوب في كتاباته ليس مجرد جغرافيا؛ إنه ذاكرة وهوية وأصوات وحكايات. وفي أعماله الأخيرة يتضح هذا الانحياز أكثر، خصوصاً في «جنوبي» و«حكي القرايا».
وفي «حكي القرايا» يعود الرواشدة إلى الشوبك بوصفها مكاناً مركزياً في الرواية، ويستند إلى المروي الشفوي والذاكرة الشعبية في الجنوب، مستعيداً مرحلة تاريخية تمتد إلى القرن التاسع عشر، وصولاً إلى أحداث مرتبطة بثورة الشوبك.
وهنا تتجلى خصوصية الرواشدة: فهو لا يكتب عن الجنوب من موقع المتفرج، وإنما يكتب كما لو أنه يحاول إنقاذ ذاكرة كاملة من النسيان.
إنه يستمع إلى الحكايات التي تناقلها الآباء والأجداد، ويعيد صياغتها في عمل أدبي يمنحها حياة جديدة.
ولذلك يمكن القول إن الشوبك عند الرواشدة ليست مكاناً في الرواية، بل شخصية روائية قائمة بذاتها.
“حكي القرايا” في مواجهة “حكي السرايا”
ربما لا توجد عبارة أكثر دلالة على مشروع الرواشدة من الانتقال من «حكي السرايا» إلى «حكي القرايا».
فهو رجل عرف السرايا ومكاتب المسؤولين ومؤسسات الإعلام الرسمي، لكنه ظل مشدوداً إلى القرى والناس والحكايات الصغيرة.
وفي هذا التناقض الجميل تكمن أهمية تجربته.
فهو لم يكتب عن الدولة فقط، ولم يكتب عن الهامش فقط؛ بل وقف بين الاثنين، يرى المشهد من أعلى بحكم تجربته الرسمية، ويراه من أسفل بحكم انحيازه للناس والمكان.
ولهذا جاءت أعماله الأدبية حاملة لذلك المزيج بين السياسي والإنساني، وبين التاريخ والذاكرة، وبين العام والخاص، وهي سمات لاحظها نقاد وكتاب تناولوا تجربته، خصوصاً في قراءة «المهطوان».
ثقافة لا تنفصل عن الوطن
لم يكن حضور الرواشدة الثقافي محصوراً في الكتب التي أصدرها؛ فقد ظل حاضراً في المنتديات والندوات والملتقيات الثقافية، وشارك في المشهد الثقافي الأردني بوصفه كاتباً وإعلامياً.
وقد حصل خلال مسيرته على عدد من الجوائز والتكريمات، من أبرزها جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، كما حصل على وسام مئوية الدولة الأردنية عام 2022، تقديراً لمسيرته وعطائه.
وتكشف هذه التكريمات عن مسار لم يكن محصوراً في الصحافة ولا في الأدب وحدهما، بل في المساحة التي تتقاطع فيها الثقافة مع الخدمة العامة.
“ابن سكينة”… حكاية جديدة
واليوم، مع توقيع اتفاقية نشر مجموعته القصصية «ابن سكينة»، يواصل رمضان الرواشدة مشروعه في الكتابة.
واللافت أن الرواشدة، بعد كل هذه السنوات، لا يبدو كاتباً يبحث عن مغادرة عالمه الأول، بل عن إعادة اكتشافه.
فالكاتب الذي وصل إلى مواقع القرار، وعمل في أهم المؤسسات الإعلامية الأردنية، وعرف دهاليز الصحافة، لا يزال يعود إلى القصة والحكاية والإنسان.
كأن الكتابة بالنسبة إليه لم تكن مرحلة من حياته، وإنما كانت البيت الذي يعود إليه كلما ابتعد.
رمضان الرواشدة… سيرة رجل وحكاية وطن
يمكن النظر إلى تجربة رمضان الرواشدة باعتبارها نموذجاً للمثقف الأردني الذي لم يضع فاصلاً حاداً بين الثقافة والشأن العام.
فهو صحفي مارس المهنة، وإعلامي تولى مواقع قيادية، ومسؤول اقترب من دوائر القرار، وكاتب سياسي تابع تحولات بلاده، وروائي وقاص ظل يبحث عن الإنسان خلف الخبر، وعن الحكاية خلف التاريخ.
ومن هنا تأتي أهمية تجربته؛ فهو لم يكتفِ بأن يكون شاهداً على مرحلة من تاريخ الأردن، بل حاول أن يحول شهادته إلى نص أدبي يبقى بعد انتهاء الحدث.
وبين “الحمراوي” و”جنوبي” و”المهطوان” و”حكي القرايا”، واليوم “ابن سكينة”، تمتد رحلة كاتب يبدو أنه اختار أن يجعل من الذاكرة مشروعاً دائماً.
رحلة بدأت من الصحافة، مرت بمؤسسات الدولة، وعادت دائماً إلى الكتاب.
وربما لهذا السبب تحديداً، حين نقرأ رمضان الرواشدة، فإننا لا نقرأ سيرة كاتب فقط؛ وإنما نقرأ شيئاً من سيرة الأردن نفسه: مدنه وقراه، صحافته ومؤسساته، ناسه وذاكرته، وأحلام أبنائه من الجنوب إلى الشمال.
وفي زمن تتسارع فيه الأيام وتضيع الحكايات القديمة، يأتي أمثال رمضان الرواشدة ليقولوا لنا إن للأوطان ذاكرة، وإن أجمل ما يمكن أن نفعله تجاهها هو أن نكتبها قبل أن ينساها أصحابها.