العموم نيوز: في محاولة جديدة لإعادة ترتيب عالم مهلهل، وقف في ممرّ قاعات الأمم المتحدة أربعة مرشّحين على عرش مؤسّسة باتت أقرب إلى مسرح ذكريات من كونها قيادة فاعلة: رافاييل غروسي، المفوضة ميشيل باشليه، الأميرة الاقتصادية ريبيكا غرينسبان، والرئيس السنغالي ماكي سال. كل واحدٍ منهم حمل شكلًا معيّنًا من الدبلوماسية: غروسي مع الملف النووي الحيادي، باشليه مع قانون حقوق الإنسان، غرينسبان مع الإصلاح الاقتصادي العالمي، وسال مع صوت أفريقيا المُربك في ملعب لم يعتد عليه كثيرًا.
ومع أن العرف الأممي يشير إلى أن دور الأمانة العامة للأمم المتحدة يعود هذه المرة لدول أميركا الجنوبية، إلا أن بعض المرشحين جاؤوا من قارة أخرى، دون أن تُبدى أي ممانعة.
في جلسة حوار مُحكمة الإضاءة أكثر من إجاباتها، حاول الأرجنتيني رافاييل ماريانو غروسي، المرشح لمنصب الأمين العام العاشر، أن يبيع نفسه للأمم المتحدة كـ”مصلح” لمنظمة منهكة الثقة، منهارة الصورة، رسم غروسي صورة عن ازمة فلسطين ولبنان والعالم، وأعلن رغبته في أن يصبح “أمينًا يُرى لا يُسمع فقط”، وكأن حضوره الشخصي في الميدان هو الحل السحري الذي يُغيّر المشهد، رغم غياب أي خطة ملموسة لحرب إيران، أو غزّة، أو فلسطين، متفادياً ذكر الولايات المتحدة، وتحويل الملف النووي إلى استعارة دبلوماسية عن “تصدّع النظام الدولي”، وتحذير من سباق تسلح، دون تقديم خطوات عملية.
في محاولة محسوبة، حوّل غروسي مداخلته إلى تجربة دبلوماسية فاعلة، وسلسلة تحذيرات نووية، دون أن يُغيّر شيئًا من قواعد اللعبة السياسية، وسط سخرية ملحوظة من هروبه من الإشارة إلى الأطراف الكبرى، وتركيزه على “النظام الدولي للرقابة” و”التزام الميثاق”، وكأنه يُريد أن يُرضي الجميع، ويشيح عن نفسه المسؤوليات الحقيقية في مواجهة النزاعات الجارية.
في محاولة دبلوماسية لإعادة الاعتبار إلى لغة الحقوق، حاولت باشليه من تشيلي، أن تُعيد للأمم المتحدة صوتها الإنساني، وتُقدّم مشروع إعادة إعمار معنوي بعد انهيار مادي طويل، متحدّثة عن الحوار، والحلول السلمية، والالتزام بالقانون الدولي، كأنها تُعيد تركيب قماش مهترئ بدقة مهنية، وقراءة متقنة للقرارات.
ومع ذلك، قرأ المتابعون في مداخلتها صورة قانونية شفافة، تُقدّم حقوق الإنسان كغطاء إنساني، وسط مقارنة مع غروسي، الذي بدا يُدير مكتب أرشيف دبلوماسي، في وقت تقود هي فرقة موسيقية حزينة، وسط تصفيق خجول، وتحليلات متوسطة، وغياب أي خطة واضحة لحلّ حرب إيران، أو إنهاء الحصار عن غزة، أو تجديد مسار سلام فلسطيني حقيقي. تفوقت على غروسي في الصورة الإنسانية والسياسية الشاملة، لكن دون أن تُقدّم قفزة جريئة في تسمية القوى الكبرى أو تحمّلها مسؤوليّات فعلية.
في مطالعتها، قدّمت غرينسبان، المرشّحة الكوستاريكية، صورة قيادية متأنّية، تجمع بين رؤية اقتصادية متينة وحسّ دبلوماسي ناضج، محذّرة من “التحفّظ في مواجهة الأخطار”، وندّدت بتراجع الثقة بالمنظمة، ووعدت بجعل “صنع السلام” أولوية، و”الإصلاح الإداري والاقتصادي” أداة مركزية، مع تركيز ملحوظ على التنمية، وحماية القيم الإنسانية، وصورة المرأة القائدة في عالم دبلوماسي لا يزال مارّاً بتحوّلات بطيئة.
وسط لغة مهذّبة، وخطاب عملي، وتجنّب للاحتكاك المباشر مع القوى الكبرى، حوّلت تجربتها في التجارة الدولية والتنمية إلى مشروع يقوم على تفعيل دور الأمم المتحدة كقائدة للتعاون، لا محاولة لإنقاذها من خلال مواجهة جيوسياسية صريحة، وسط إشارة إلى ضرورة استقلال المؤسسة. لم تُظهر اي تفوّق على غروسي أو باشليه، بل قدمت نفسها كتوازن بين الدبلوماسية، والاقتصاد، والحقوق، لكن من دون وضع الإصبع على جروحات العالم النازفة.
بدوره قدّم سال، الرئيس السنغالي السابق، صورة قائد أفريقي طموح، يحاول أن يرفع قارة مهشّمة إلى قمة النظام المتعدد، محذّرًا من تفشي التفاوت، ودعى لتعزيز دور الدول النامية، وربط بين تدهور العلاقات بين القوى الكبرى ومستقبل العدالة الاقتصادية والسياسية، وكأنه يعرض نفسه كـ”صوت أفريقيا” في مواجهة التوازنات التقليدية، وسط لغة دبلوماسية تقليدية، وغياب للقرارات الصارمة في مواجهة النزاعات المباشرة.
لم يُتفوّق سال على غروسي أو باشليه في الحضور أو التأثير الملموس، لكنه قدّم تجربة مميزة، جمع بين خبرته في الحكم، وطموحه الإفريقي، وخطابه المتوازن، وسط معارضة داخلية ورفض قاري لترشيحه، ما يُضعف وزنه الدبلوماسي، وسط صعوبات سياسية، وغياب تأييد قوي، لكنه يحاول توسيع قاعدة الأمم المتحدة، وفتح مجال لصوت أفريقي قوي في قلب النظام الدولي.
في هذا المشهد، تبدو المنظمة كأنها تبحث في المرشحين عن تأمين أمين عام جديد، أكثر من حاجتها لقائدٍ شجاع، كل واحد منهم قدّم نسخة خاصة به: غروسي بملفه النووي، باشليه بحقوق الإنسان، غرينسبان بتوازنها الإصلاحي، وسال بصوته الإفريقي، لكن لا أحد منهم يملك رؤية حقيقية تكسر قوة الفيتو وتُحرِّر الأمم المتحدة من قبضة القوى الكبرى، وإنْ كان أقربهم إلى التوازن والواقعية هو ريبيكا غرينسبان، وسط حقيقة مُرّة وراء الستار. الأقوى في النهاية ليس بهؤلاء، لأن المطلوب اليوم قائد يجرؤ على أن يُزعج الجميع لخدمة المنظمة، لا أن يُرضي الدول الكبرى ليُحافظ على منصبه.

