قبل أن أتحدث عن الملكية الأردنية، لا بد من الإشارة إلى أن علاقتي بها ليست علاقة مسافر عابر، بل مسافرٌ دائم ( frequent flyer ) منذ عام 1978، حين غادرت الأردن لإول مرة عبر مطار عمّان (ماركا آنذاك) متوجهًا إلى أبوظبي للالتحاق بعملي في الدائرة الخاصة للمغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. ومنذ تلك الرحلة الأولى، بقيت الملكية الأردنية خياري كلما كان ذلك ممكنًا، وشاهدت عن قرب مراحل ازدهارها، كما عايشت سنوات التحديات التي مرت بها.
وخلال هذه السنوات، لم أتابع مسيرة الناقل الوطني من بعيد، بل عشت مراحل ازدهاره، وشهدت التحديات التي واجهها، وكنت دائمًا أتمنى أن أراه في المكانة التي يستحقها، بوصفه مؤسسة وطنية تحمل اسم الأردن إلى العالم، قبل أن تكون مجرد شركة طيران.
لذلك، فإن ما أكتبه اليوم لا يصدر عن ناقد يبحث عن تسجيل موقف، ولا عن شخص يهوى جلد المؤسسات الوطنية، وإنما عن محب يرى في الملكية الأردنية أكثر من شركة طيران؛ يراها جزءًا من ذاكرة وطن، وواجهةً للأردن، واسمًا حمل رايته في مطارات العالم لعقود طويلة.
ولهذا، فإن حديثي ليس عن الماضي بقدر ما هو عن المستقبل. أكتب بدافع الحرص والغيرة، لأنني أؤمن أن مؤسسة بهذا التاريخ، وبهذه السمعة، وبهذا الإرث، تستحق أن تكون في مصاف شركات الطيران المرموقة عالميًا، وأن يكون اسمها حاضرًا في المنافسة، لا مجرد حاضر في الذاكرة.
في هذا المقال قد يبدو العنوان مستفزًا، لكنه ليس أكثر من مفارقة تختزل سؤالًا اقتصاديًا أكبر بكثير من الرادارات، وأعمق بكثير من المخالفات.
السؤال الحقيقي هو: كيف وصلت مؤسسة وطنية بحجم الملكية الأردنية، بعد أكثر من ستة عقود من العمل، إلى مرحلة تصبح فيها أرباحها السنوية موضع مقارنة شعبية مع أي مصدر آخر للإيرادات؟
لا أحد ينكر أن عودة الملكية الأردنية إلى الربحية إنجاز يستحق التقدير والشكر لكافة العاملين فيها ، خصوصًا بعد سنوات صعبة مر بها قطاع الطيران عالميًا. لكن الإنجاز الحقيقي لا يقاس فقط بالخروج من الخسارة، بل بمدى الاقتراب من الإمكانات التي كانت متاحة منذ البداية.
فالملكية الأردنية ليست شركة عادية، بل واحدة من أقدم الناقلات الوطنية في المنطقة، وواجهة اقتصادية وسيادية للدولة. وخلال العقود الماضية تغيرت صناعة الطيران جذريًا، وبرزت نماذج جديدة للإدارة والتشغيل والمنافسة، بينما بقي السؤال مطروحًا: هل استثمرنا نحن ما نملكه من مزايا كما يجب؟
قد يقال إن الأردن لا يملك الإمكانات المالية التي تملكها دول أخرى، وهذا صحيح. لكن المال ليس وحده من يصنع النجاح. فالموقع الجغرافي، والاستقرار، والمطار الحديث، والكفاءات البشرية، والسمعة الجيدة، كلها أصول اقتصادية لا تقل أهمية إذا أُحسن استثمارها ضمن رؤية واضحة.
القضية إذن ليست لماذا لم تصبح الملكية الأردنية الأكبر، وإنما لماذا لم تصبح أكبر مما هي عليه اليوم.
فالناقل الوطني ليس مجرد شركة تنقل المسافرين من مطار إلى آخر، بل أداة لتحريك السياحة، وجذب الاستثمار، وتنشيط الشحن الجوي، وخلق فرص العمل، وتعزيز مكانة الأردن الاقتصادية. وكل دينار يحققه هذا القطاع ينعكس على قطاعات أخرى، بينما يبقى أثره الاقتصادي أكبر بكثير من الرقم الذي يظهر في الميزانية.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالاحتفاء بالأرباح، بل إعادة تعريف دور الملكية الأردنية ضمن مشروع اقتصادي وطني، ينظر إليها بوصفها رافعة للنمو، لا مجرد شركة مطالبة بتحقيق نتائج مالية أفضل من العام السابق.
لقد سبقنا كثيرين في تأسيس ناقل وطني، لكن الزمن وحده لا يصنع النجاح. فالنجاح تصنعه الرؤية، والاستمرارية، والقدرة على تحويل المزايا إلى قيمة اقتصادية.
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعًا: كيف نجعل مؤسسة وطنية تحمل اسم الأردن منذ أكثر من ستين عامًا، تحقق من الإنجازات ما يليق بتاريخها… وما يليق بالأردن؟
ويبقى هنا السؤال الأهم: أين نبدأ؟
هل تبدأ المراجعة من هيكل المصروفات التشغيلية؟ وهل هناك نفقات يمكن ترشيدها دون المساس بجودة الخدمة؟ وهل تعكس الرواتب والمزايا الإدارية أعلى درجات الكفاءة والحوكمة؟ هذه أسئلة مشروعة في أي شركة تسعى إلى تعظيم أرباحها، ولا تنتقص من أحد، بل تصب في مصلحة المؤسسة ومستقبلها.
وفي المقابل، هل تكفي سياسة التسعير الحالية؟ فكثير من المسافرين يرون أن أسعار الملكية الأردنية غالبًا ما تكون أعلى من بدائل متاحة على الخطوط نفسها، ومع ذلك لم تنعكس هذه السياسة على قفزة نوعية في الأرباح. وهذا يقود إلى سؤال اقتصادي معروف: هل تتحقق الأرباح من رفع سعر المقعد، أم من زيادة عدد المقاعد المباعة؟
فالناقل الوطني لا يزدهر عندما يبيع تذكرة بسعر أعلى، بل عندما يملأ طائراته بالمسافرين. والطائرة التي تقلع ممتلئة، حتى وإن كان متوسط سعر التذكرة أقل، غالبًا ما تحقق عائدًا أفضل من طائرة تغادر وفيها عشرات المقاعد الشاغرة.
وهنا تتجاوز القضية حدود شركة الطيران لتصبح مسؤولية وطنية. فالملكية الأردنية وحدها لا تستطيع أن تصنع هذا التحول، ما لم تكن جزءًا من رؤية اقتصادية متكاملة تضع الأردن على خريطة السياحة والاستثمار والمؤتمرات والعلاج والتعليم، وتجعل السفر إلى الأردن خيارًا لملايين الزوار، لا مجرد وسيلة لنقل المسافرين الحاليين.
لقد أثبتت تجارب كثيرة حول العالم أن نجاح شركات الطيران لم يكن نتيجة بيع التذاكر فقط، بل نتيجة نجاح المدن والدول التي تنطلق منها في أن تصبح وجهات يقصدها الناس من كل مكان. وعندما تنجح الدولة في تسويق نفسها، تمتلئ الطائرات تلقائيًا، وتتحول شركة الطيران إلى مستفيد من نجاح الاقتصاد، لا إلى جهة تحاول تعويضه.
لهذا، فإن مستقبل الملكية الأردنية لن يُبنى على رفع الأسعار وحده، ولا على خفض النفقات وحده، بل على رؤية تجعل كل طائرة تقلع من عمّان محمّلة بالركاب، لأن العالم أصبح يريد أن يأتي إلى الأردن، لا لأن الأردنيين وحدهم يريدون السفر منه.
ذلك هو الاستثمار الحقيقي… وذلك هو الربح الذي يستحق أن نسعى إليه.

