لندن: محمد الطّورة
كان لي شرف العودة مساء أمس إلى مبنى سفارتنا الأردنية في لندن ، ذلك المكان الذي لم يكن بالنسبة لي مجرد مقر للعمل، بل كان على امتداد أكثر من ثلاثة عقود جزءاً من ذاكرتي ومسيرتي وحياتي المهنية، واحتضن سنوات من العمل والإنجاز ورفقة زملاء جمعتنا بهم خدمة الوطن وحمل اسمه في هذه الديار.
كانت عودتي هذه المرة بدعوة كريمة من معالي الأخ السفير منار الدباس، للمشاركة في حفل وداع الزميلة العزيزة روان الفقير الذي حضرة عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي في لندن ومجموة من أبناء الجالية الأردنية فيها، بمناسبة انتهاء فترة عملها في السفارة. وبينما كنت أستعيد شيئاً من ذكريات المكان، وجدت أن أجمل ما يمكن أن تستعيده الذاكرة ليس فقط ما عشناه فيه، وإنما أيضاً قيم الوفاء التي تبقى شاهدة على من مرّوا من هنا.
ومن هنا، كان لهذه المناسبة وقع خاص في النفس؛ فتكريم الإنسان بعد أن أدى واجبه ليس مجرد لحظة وداع، وإنما اعتراف بالعطاء، وتقدير للجهد، ورسالة تقول إن ما يقدمه الإنسان لوطنه ومؤسسته وزملائه لا يضيع، وأن الوفاء يظل من أرفع صور الكرم الأردني.
فلا يُكرم إلا كريم، ولا يكون الوفاء إلا لأهل الوفاء.
فالتكريم في مثل هذه المناسبات ليس مجرد تقليد دبلوماسي أو بروتوكول تفرضه نهاية مهمة، وإنما هو تعبير عن ثقافة أردنية أصيلة ترى في الوفاء للعطاء قيمة لا تقل أهمية عن العطاء نفسه. فالكرم سمة متجذرة في الشخصية الأردنية، والأردني لا ينظر إلى مكان عمله باعتباره مجرد مكتب أو مؤسسة، بل يراه امتداداً لبيته، ويتعامل مع زملائه بروح الأسرة، ولذلك تبقى مشاعر التقدير والوفاء حاضرة حتى عند انتهاء المراحل وتبدل المواقع.
وهذه الروح ليست غريبة عن النهج الأردني في تقدير أصحاب العطاء والتميز، وهو النهج الذي طالما جسده جلالة الملك عبدالله الثاني في حرصه على تكريم أبناء الوطن الذين يخلصون في مواقعهم، ويقدمون أفضل ما لديهم خدمةً للأردن، إيماناً بأن تقدير المخلصين هو تقدير لقيمة العمل والانتماء ذاتهما.
وفي هذه المناسبة، لا بد من الإشارة إلى أن تكريم الزميلة روان الفقير لم يكن وليد هذه المناسبة؛ فقد سبق أن حظيت في بريطانيا، من جهات رسمية، بتكريم الموظف الدبلوماسي المثالي، تقديراً لأدائها المهني وتميزها وإخلاصها في أداء واجبها الدبلوماسي.
ولعل ما يستحق الإشادة في مبادرة معالي السفير منار الدباس أنه، رغم مشاغله الكثيرة وانخراطه المتواصل في العمل السياسي والدبلوماسي على الساحة البريطانية، لم يغفل الجانب الإنساني في إدارة فريقه، وظل حريصاً على تقدير العاملين معه والاحتفاء بعطائهم.
فالقائد لا يُقاس فقط بما ينجزه في الملفات السياسية والدبلوماسية الكبرى، وإنما أيضاً بقدرته على أن يرى جهود من يعملون إلى جانبه، وأن يمنحهم حقهم من التقدير والامتنان. فالكلمة الطيبة في وقتها قد تترك في النفس أثراً لا تصنعه عشرات الكلمات بعد فوات أوانها.
وأقول ذلك من تجربة شخصية؛ فقد كنت قبل عامين واحداً من أعضاء السفارة الذين حظوا بهذا التكريم من معاليه في لندن، ولذلك فإنني لا أتحدث عن هذه اللفتة من موقع المتابع فحسب، وإنما من تجربة عايشت فيها أثرها الإنساني والمهني، وأدركت قيمة أن يشعر الإنسان بأن جهده كان مرئياً ومقدراً.
إن تكريم روان الفقير هو، في جوهره، رسالة وفاء لكل موظف ودبلوماسي أخلص في عمله، ورسالة بأن الإنسان يظل القيمة الأهم في أي مؤسسة، وأن المؤسسات العظيمة لا تبنى بالإنجازات وحدها، وإنما أيضاً بالعلاقات الإنسانية التي تصنع بيئة من الاحترام والانتماء.
وفي زمن تتسارع فيه المسؤوليات، وتطغى أحياناً لغة الملفات والمصالح على الجانب الإنساني في العمل، تأتي مثل هذه المبادرات لتذكرنا بأن الوفاء ليس تفصيلاً هامشياً في الإدارة، بل قيمة قيادية وأخلاقية رفيعة.
فشكراً لمعالي السفير منار الدباس على هذه الروح الأردنية الأصيلة، وشكراً للزميلة العزيزة روان الفقير على ما قدمته خلال فترة عملها، ومبارك لها هذا الاستحقاق.
فالمناصب تنتهي، ومراحل العمل تتغير، والوجوه قد تغادر المكان، لكن أثر الإنسان الطيب وعطاءه يبقيان.
ولعل أجمل ما نختم به أن الكرم ليس في العطاء وحده، وإنما في أن نتذكر أهل العطاء ونمنحهم حقهم من الوفاء والتقدير.
وهذه، في النهاية، واحدة من أجمل الصفات التي يحملها الأردن وأبناؤه أينما حلوا.