العموم نيوز: كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن إيران تدرس خيارات لتوسيع نطاق ردها العسكري في حال قررت الولايات المتحدة شن هجمات جديدة على منشآت داخل الأراضي الإيرانية، مشيرة إلى أن من بين السيناريوهات المطروحة استهداف مواقع ومصالح عسكرية أميركية في أوروبا.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة ومقربة من النظام الإيراني أن طهران بحثت إمكانية توجيه ضربات إلى أهداف أميركية في جنوب وجنوب شرق أوروبا، بما في ذلك بلغاريا، على خلفية سماحها باستخدام قاعدة «بيزمير» الجوية في عمليات مرتبطة بتزويد الطائرات الأميركية بالوقود.
وبحسب المصادر، أُدرجت قبرص أيضاً ضمن قائمة الأهداف المحتملة، ولا سيما بعد تعرض قاعدة جوية بريطانية في الجزيرة لهجوم بطائرة مسيرة في مارس/آذار الماضي. وتشير هذه التقديرات إلى أن طهران قد تعتبر القواعد التي توفر دعماً للعمليات الأميركية أهدافاً مشروعة في حال اتساع نطاق المواجهة.
تهديد يتجاوز المنطقة
ولا تقتصر الخيارات التي بحثتها إيران، وفق فايننشال تايمز، على استهداف القواعد العسكرية، إذ درست قواتها بشكل منفصل إمكانية ضرب كابلات الألياف الضوئية البحرية في مضيق هرمز، في حال حدوث تصعيد عسكري جديد.
وتعكس هذه الخيارات، بحسب الصحيفة، تصوراً إيرانياً يقوم على توسيع تكلفة أي هجوم أميركي بحيث لا تبقى تداعياته محصورة داخل الأراضي الإيرانية أو منطقة الشرق الأوسط، وإنما تمتد إلى مصالح وقواعد أميركية في مناطق أخرى.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مقرب من النظام الإيراني قوله إن الضربة التي استهدفت قاعدة أميركية في الأردن وأسفرت عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين مثلت، من وجهة نظر طهران، إحدى أكثر عملياتها بعيدة المدى دقة، وأظهرت قدرتها على إصابة أهداف على مسافات بعيدة.
وأضاف المصدر أن العملية حملت، في الوقت نفسه، رسالة إلى أوروبا مفادها أن أراضيها قد تصبح عرضة للاستهداف إذا توسعت الحرب، محذراً من أن أي هجوم على البنية التحتية الإيرانية قد يدفع الصراع إلى تجاوز حدوده الإقليمية.
قدرات صاروخية.. لكن بحدود
وتشير الصحيفة إلى أن إيران تمتلك صواريخ باليستية متوسطة المدى يمكن استخدامها لاستهداف مواقع أميركية في جنوب وجنوب شرق أوروبا، من بينها صواريخ من عائلة «شهاب».
غير أن هذه القدرة لا تعني بالضرورة امتلاك طهران هامشاً واسعاً في توجيه ضربات فعالة إلى أهداف بعيدة. ونقلت فايننشال تايمز عن سيدهارث كوشال، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية «RUSI»، أن خطر الصواريخ الإيرانية على المصالح الأميركية في أوروبا «حقيقي»، لكنه يظل محدوداً من الناحية العملياتية.
وأوضح كوشال أن فعالية الصواريخ الإيرانية تتراجع كلما زادت المسافة، وهو ما يحد من قدرتها على إلحاق أضرار كبيرة بأهداف بعيدة، رغم امتلاكها القدرة النظرية على الوصول إلى أجزاء من جنوب أوروبا.
لندن في دائرة التحذيرات
وتأتي هذه التقديرات بعد تحذير سابق أطلقه الحرس الثوري الإيراني تجاه المملكة المتحدة، على خلفية سماح لندن للولايات المتحدة باستخدام قواعد عسكرية بريطانية.
وأكد الحرس الثوري حينها أن أي قاعدة تستخدم في شن هجمات على إيران يمكن أن تتحول إلى هدف، في إشارة إلى اتساع مفهوم الأهداف الإيرانية المحتملة ليشمل منشآت تابعة لحلفاء واشنطن، وليس القوات الأميركية وحدها.
ويكشف ذلك عن معادلة تحاول طهران فرضها على خصومها: كلما اتسعت شبكة القواعد والدعم اللوجستي المتاحة للعمليات الأميركية، اتسعت معها دائرة الأهداف التي يمكن أن تهددها إيران في حال اندلاع مواجهة مباشرة.
صعود المتشددين في المؤسسة الأمنية
وفي موازاة التصعيد الخارجي، تربط فايننشال تايمز بين هذه التهديدات وبين التحولات داخل دوائر صنع القرار الأمني والعسكري في إيران.
ونقلت الصحيفة عن مصادر أن دوائر نافذة في طهران تسعى إلى إيصال رسالة للغرب مفادها أن إخفاق المسار السياسي مع الشخصيات التي تمثل التيار الأكثر براغماتية، ومن بينها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، قد يؤدي إلى تعزيز موقع شخصيات أكثر تشدداً.
وتشير الصحيفة في هذا السياق إلى محسن رضائي، الذي تولى مؤخراً رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بعد مسيرة طويلة في قيادة الحرس الثوري.
كما تربط هذه التحولات بتعزيز المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي نفوذ الشخصيات المحسوبة على التيار المتشدد داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية، من خلال تعيينات وترقيات حديثة في مواقع حساسة.
رفع كلفة المواجهة
وترى فايننشال تايمز أن مجمل هذه التطورات يعكس توجهاً داخل النظام الإيراني نحو رفع كلفة أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تراجع الثقة في فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية مستقرة.
وبذلك، لا تبدو الرسائل الإيرانية موجهة إلى واشنطن وحدها، بل إلى شبكة حلفائها أيضاً. فإدخال القواعد الأميركية في أوروبا والبنية التحتية الحيوية ومصالح الدول الداعمة لواشنطن ضمن الحسابات الإيرانية يهدف، في حال صحت هذه التقديرات، إلى جعل أي قرار بشن حرب على إيران أكثر تعقيداً بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
لكن الفجوة بين القدرة على التهديد والقدرة على إحداث تأثير عسكري واسع تظل عاملاً حاسماً، خصوصاً مع القيود التي تفرضها المسافات والقدرات الدفاعية الأوروبية. ومن ثم، فإن أهمية هذه الخيارات الإيرانية قد تكمن بقدر كبير في كونها أدوات للردع ورفع كلفة الحرب، وليس بالضرورة مؤشراً على قرار إيراني محسوم بتوسيع دائرة الاستهداف إلى القارة الأوروبية.