لندن: محمد الطّورة
استياء داخل إحدى المؤسسات الرسمية في الأردن من موجة التنقلات الأخيرة.. وموظفون يتساءلون: إصلاح إداري أم تصفية حسابات؟
أثارت موجة التنقلات الإدارية الأخيرة داخل إحدى مؤسسات الدولة في الأردن استياءً وتساؤلات بين عدد من الموظفين، وسط مخاوف من أن تكون بعض القرارات مرتبطة بحسابات سابقة، أو بتصورات عن قرب موظفين من المسؤول الذي غادر منصبه، بدلًا من الاستناد إلى الكفاءة ومتطلبات العمل. وبينما تُعدّ التنقلات جزءًا طبيعيًا من العمل الإداري، فإن التساؤل يظل مشروعًا: هل الهدف تطوير المؤسسة، أم إعادة ترتيبها وفق حسابات المسؤول الجديد؟
ولعل المفارقة أن تصفية السلع في الأسواق قد تحقق منفعة للبائع والمشتري معًا، بينما قد تتحول تصفية الحسابات داخل المؤسسات إلى مصدر للضرر والاحتقان، حين يصبح الموظف مستهدفًا بسبب علاقته المفترضة بالإدارة السابقة، لا بسبب تقصير ثابت في أدائه.
ففي عالم التجارة، يلجأ التاجر إلى تصفية بضاعته لتوفير السيولة وتجديد مخزونه، ويستفيد المستهلك من الأسعار المخفضة. أما في بعض المؤسسات، فقد يأتي مسؤول جديد ليبدأ بإبعاد موظفين أو تهميشهم، لمجرد الاعتقاد بأنهم محسوبون على سلفه، وكأن الوظيفة العامة تقوم على الولاءات الشخصية لا على الكفاءة والخبرة.
لكن هل يعني ذلك أن كل تنقل إداري هو تصفية حسابات؟ بالتأكيد لا؛ فمن حق المسؤول الجديد مراجعة الأداء، وإعادة توزيع المهام، ومحاسبة المقصر، متى استندت قراراته إلى معايير موضوعية ومصلحة حقيقية للعمل. أما أن تصبح العلاقات المفترضة أساسًا للإبعاد أو الحرمان من الفرص، فذلك يثير تساؤلات جدية حول العدالة وتكافؤ الفرص.
إن خطورة هذه الممارسات، إن حدثت، لا تقتصر على الموظف المتضرر، بل تمتد إلى المؤسسة نفسها؛ فتهميش الخبرات وإشاعة القلق بين العاملين يضعفان روح المبادرة، وقد ينعكسان سلبًا على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
والمؤسسات العامة ليست ملكًا للمسؤول السابق حتى يُعدّ موظفوها رجاله، ولا ملكًا للمسؤول الجديد حتى يعيد تشكيلها وفق حساباته الخاصة. إنها مؤسسات تستمر بتعاقب القيادات، ويجب أن تبقى معايير العمل فيها ثابتة، قائمة على القانون والكفاءة والإنصاف.
أما تصفية الحسابات الشخصية بين الناس، فهي بدورها تفتح أبواب الخصومة والانتقام، لكن خطورتها داخل دوائر الدولة أكبر، لأن الأمر يتعلق بصلاحيات عامة ومصالح لا تخص المسؤول وحده.
الخلاصة أن التغيير الإداري ضرورة أحيانًا، لكن تصفية الحسابات ليست إصلاحًا. فالمسؤول الناجح لا يُقاس بعدد من يُبعدهم، بل بقدرته على تطوير العمل، والاستفادة من الكفاءات، وتحقيق العدالة بين الموظفين.
تصفية السلع قد تنعش الأسواق، أما تصفية الحسابات فقد تستنزف المؤسسات. وبين الإصلاح والإقصاء، يبقى السؤال الأهم: هل تُتخذ القرارات لخدمة المؤسسة والمواطن، أم لتصفية حسابات مع الماضي؟