لندن: محمد الطورة
فوضى التحذيرات… حين تتحول الأقلام إلى مصدر قلق
أجد نفسي اليوم مدفوعًا للوقوف عند مقال اطّلعت عليه لأحد الوزراء السابقين، تضمّن دعوة للشعب الأردني إلى “الاستيقاظ”، وهي دعوة تثير من التساؤلات أكثر مما تقدّم من إجابات. إذ توحي، بشكل أو بآخر، وكأن المجتمع غافل عمّا يدور حوله، أو غير مدرك لحجم التحديات التي تحيط به، وهو توصيف لا ينسجم مع واقع الأردنيين الذين أثبتوا، في مختلف المحطات، وعيًا عميقًا ومتابعة دقيقة لمجريات الأحداث.
فالمواطن الأردني لم يكن يومًا خارج سياق الوعي، ولا منفصلًا عن محيطه، بل كان حاضرًا في قراءة المشهد، ومدركًا لتعقيداته، في ظل منظومة مؤسسية تقوم فيها الدولة، بأجهزتها المختلفة، بواجبها في المتابعة والتقدير واتخاذ القرار، خصوصًا في اللحظات الدقيقة.
ومع تكرار هذا النوع من الطروحات، تتشكل حالة يمكن وصفها بـ”فوضى التحذيرات”، حيث تتسابق بعض الأقلام في إطلاق عبارات عامة تحمل نبرة إنذار دون تقديم معطيات واضحة، وكأننا أمام سباق ماراثوني هدفه جذب الانتباه، لا إنتاج خطاب مسؤول. ومثل هذا النهج، حتى وإن انطلق من دوافع حسنة، يترك أثرًا سلبيًا على وعي المتلقي، ويُضعف الثقة بالمصادر الرسمية التي يُفترض أن تكون المرجعية في مثل هذه القضايا.
فالأردن، وهو يواجه تحديات متعددة، ليس بحاجة إلى تضخيم المشهد أو تقديم قراءات انطباعية، بل إلى خطاب منضبط يستند إلى معلومات دقيقة، ويُبقي مسألة التحذير ضمن الإطار المؤسسي المختص القادر على التقييم والإعلان وفق أسس واضحة.
ومن هنا، فإن الدعوة اليوم يجب أن تكون مباشرة: على وسائل الإعلام أن تعي حجم مسؤوليتها، وأن تمتنع عن نشر أي مقالات أو تنبيهات تحمل طابع التحذير أو التهويل، ما لم تكن صادرة عن الجهات الرسمية المختصة. فتنظيم هذا المسار لا يعني تقييد الحريات أو إقصاء الآراء، بل يهدف إلى حماية الفضاء العام من الارتباك، والحفاظ على ثقة المواطن بمؤسساته.
إن حرية التعبير قيمة لا جدال فيها، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الاستقرار العام أو تُثير الهواجس دون سند واضح. فالكلمة في مثل هذه السياقات ليست تفصيلًا عابرًا، بل عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الجمعي.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية وعي الشباب، وضرورة عدم الانجرار وراء الخطابات التي تبالغ في تصوير الواقع أو تدفع نحو التشكيك، فالأردن يستمد قوته من وحدة أبنائه، ومن تماسك جبهته الداخلية، ومن التفاف الجميع حول ثوابته الوطنية، في ظل قيادة أثبتت قدرتها على إدارة التحديات بثبات واتزان.
إن المرحلة لا تحتمل فوضى في الخطاب، ولا ترف المبالغة في رسم المخاوف. إما كلمة مسؤولة تعزز الثقة وتخدم المصلحة الوطنية، أو خطاب يربك الداخل ويضعف التماسك. وبين هذا وذاك، تبقى المسؤولية واضحة: أن تبقى الكلمة في موقعها الصحيح… أداة بناء لا سببًا للقلق.

