لندن: محمد الطّورة
ثمة صور لا تتوقف قيمتها عند حدود اللحظة التي التُقطت فيها، بل تتجاوزها لتروي حكاية، وتستدعي معنى، وربما تعيد إلى الذاكرة قيماً نحن أحوج ما نكون إلى استحضارها.
ومن هذه الصور، تلك التي جمعت معالي الأخ ناصر جودة، وزير الخارجية الأردني الأسبق، وسعادة الأخ مازن الحمود، السفير الأردني الأسبق في لندن، والدكتور الأكاديمي رعد التل، خلال مأدبة إفطار في مطعم هاشم العريق، في قلب العاصمة الحبيبة عمّان.
قد تبدو الصورة للوهلة الأولى لقاءً ودياً عادياً بين ثلاثة رجال جمعتهم مائدة واحدة، لكنني قرأتها من زاوية أخرى؛ زاوية تتجاوز الأشخاص إلى ما يمثله هذا اللقاء من رسالة إنسانية ومهنية، مفادها أن العلاقات التي تُبنى على الاحترام لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء الوظيفة، وأن الزمالة الصادقة لا يحيلها قرار التقاعد إلى التقاعد معها.
فالمناصب، مهما علت، تبقى محطات في حياة الإنسان، يأتي إليها يوماً ويغادرها يوماً آخر، أما ما يبقى فهو الأثر الذي يتركه في نفوس من عملوا معه؛ كيف عامل زملاءه؟ وكيف تعامل مع مرؤوسيه؟ وهل بقي قريباً منهم بعد أن غادر مكتبه؟
هذه الأسئلة، في تقديري، هي التي تكشف معادن الرجال.
وقد كنت قبل أيام قد نشرت مقالاً في موقع العموم نيوز دعوت فيه إلى ضرورة استمرار التواصل بين أبناء المهنة الواحدة، رؤساء ومرؤوسين، حتى بعد انتهاء سنوات العمل الرسمي. فالمؤسسات لا تبنيها الأنظمة والتعليمات وحدها، بل تبنيها أيضاً العلاقات الإنسانية السليمة، والاحترام المتبادل، والذاكرة المهنية المشتركة.
بل إنني أذهب أبعد من ذلك؛ فالمتقاعد لا ينبغي أن يتحول، بمجرد مغادرته موقعه، إلى صفحة مطوية. فهناك خبرات تراكمت عبر عقود، وتجارب لا تُختصر في التقارير ولا تحفظها الملفات. ومن الحكمة أن تبقى جسور التواصل مفتوحة بين الأجيال، ليستفيد اللاحق من تجربة السابق، ويشعر السابق بأن سنوات عطائه ما زالت حاضرة في وجدان المؤسسة.
ولعلنا نجد نموذجاً راقياً لهذا المعنى في حرص جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على لقاء رفاق السلاح وزملائه في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، كلما سنحت الفرصة. ففي مثل هذه اللقاءات رسالة عميقة مفادها أن الرفقة الحقيقية لا تنتهي بتغير الرتب أو تبدل المواقع، وأن الوفاء يبقى من شيم الرجال.
ولعل أكثر ما استوقفني في هذه الصورة أنها أعادت إلى ذاكرتي سنوات العمل في السفارتين الأردنيتين في لندن وواشنطن حين كان معالي أبو طارق وزيراً للخارجية.
لذلك، لم أقرأ هذا اللقاء على أنه مناسبة اجتماعية عابرة، بل رأيته امتداداً طبيعياً لشخصية عرفتها عن قرب؛ شخصية تؤمن بأن المناصب مراحل مؤقتة، أما العلاقات الإنسانية الصادقة فهي مسؤولية أخلاقية تستمر ما دام الاحترام متبادلاً.
وقد عرفت معاليه رجلاً يقدّر الإنسان قبل موقعه، ويحترم زملاءه، ولا يجعل من المنصب حاجزاً بينه وبين من يعملون معه. ولذلك، لم يكن مستغرباً أن أراه اليوم يلتقي بزملائه وأصدقائه بالروح ذاتها التي عرفتها فيه قبل سنوات.
وبالقدر نفسه، تستوقفني في هذه الصورة قامة أخرى عرفتُها عن قرب، هي سعادة الأخ مازن الحمود أبو سعد، الذي تشرفت بالعمل بمعيته في السفارة الأردنية في لندن لمدة سبع سنوات.
وخلال تلك السنوات، وجدته مثالاً للمسؤول المتواضع، والإنسان الخلوق، الذي كان يحترم الجميع، ويؤمن بأن الاحترام المتبادل هو أساس نجاح أي مؤسسة. وهي صفات لا تصنعها المناصب، بل تعكس أصالة التربية ونبل الأخلاق.
أما الدكتور الأكاديمي رعد التل، فلا تربطني به معرفة شخصية، ومن باب الأمانة لا أحب أن أنسب إلى نفسي ما لم أعشه. غير أن وجوده في هذا اللقاء يضفي على الصورة بعداً جميلاً يجمع بين الخبرة الدبلوماسية والحضور الأكاديمي، ويجسد معنى التواصل الإنساني بعيداً عن الرسميات والألقاب.
وهنا تكمن، بالنسبة لي، القيمة الحقيقية لهذه الصورة.
فالقضية ليست في أن وزيراً سابقاً التقى سفيراً سابقاً وأكاديمياً على مائدة إفطار، وإنما في ثقافة نحن بحاجة إلى ترسيخها؛ ثقافة ألا تنتهي علاقاتنا بانتهاء مصالحنا، وألا يصبح الزميل غريباً بمجرد أن يغادر مكتبه، وألا يكون احترامنا للإنسان مرتبطاً بالكرسي الذي يجلس عليه.
كم من مسؤول كان مكتبه يعج بالزوار، ثم ما إن غادر موقعه حتى خفتت الهواتف من حوله!
وكم من علاقة حسبناها صداقة، ثم اكتشفنا أنها لم تكن سوى علاقة بالمنصب!
هنا يظهر الفارق بين العلاقة التي صنعتها المصلحة، والعلاقة التي صنعتها الأخلاق.
إن أجمل ما يمكن أن يحمله الإنسان معه بعد رحلة طويلة في العمل العام ليس لقباً سابقاً يسبق اسمه، ولا مكتباً كان يشغله، وإنما وجوه أشخاص يفرحون بلقائه، وأيدٍ تمتد إليه بالمودة نفسها، وذكريات طيبة بقيت في نفوس من عملوا معه.
ذلك هو الرصيد الحقيقي الذي لا ينفد.
وفي النهاية، أريد أن أذكر كل مسؤول سابق أن أجمل ما يخرج به الإنسان من سنوات خدمته ليس لقبٌ يسبق اسمه، ولا منصبٌ كان يشغله، وإنما دعوةٌ صادقة إلى فنجان قهوة، أو مائدة إفطار، أو لقاءٌ يجمعه بمن عمل معهم ذات يوم، لأن تلك الدعوات لا تصنعها المكاتب، بل تصنعها الأخلاق.
فالمناصب تُمنح بقرار، وتُغادر بقرار، أما المكانة في قلوب الناس فلا يمنحها إلا حسن الخلق، ولا ينتزعها إلا سوء الخلق. وتلك، في تقديري، هي الرسالة الأبلغ التي حملتها هذه الصورة.

