العموم نيوز: تتجه الدول الأوروبية في حلف شمال الأطلسي “الناتو” إلى تحمل حصة أكبر من مسؤوليات الدفاع التقليدي عن القارة، في وقت تعيد فيه الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها الأمنية عالميا، مع تركيز أكبر على الداخل الأميركي ونصف الكرة الغربي ومنطقة المحيط الهادئ.
برز هذا التوجه خلال حوار بعنوان “محادثة حول مستقبل الناتو”، استضافه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية في مدينة دي موين بولاية آيوا الأميركية، الأربعاء، بمشاركة الأمين العام للحلف مارك روتّه والمندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الناتو ماثيو ويتكر.
وقال روتّه إن هناك تحليلا مشتركا بين الحلفاء لطبيعة التحديات الأمنية، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة سيكون لها دور كبير في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في حال وقوع أزمة هناك، مما يجعل من الضروري أن يتحمل الأوروبيون حصة أكبر من مسؤولية الدفاع التقليدي عن أوروبا.
وأكد أن ذلك لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من الدفاع عن أوروبا، وإنما زيادة المسؤولية التي تتحملها الدول الأوروبية، بما في ذلك أدوار أكبر داخل الحلف.
وقال إن التهديد الروسي لدول الناتو “موجود وطويل الأمد”، بالتزامن مع رصد هجمات هجينة وحوادث مرتبطة بالطائرات المسيرة، داعيا الدول الأوروبية إلى الحفاظ على الهدوء ومواصلة الاستثمار في الدفاع ودعم أوكرانيا.
وأضاف أن على دول الناتو الاستعداد لحماية “كل شبر” من أراضي الحلف، ومواصلة دعم أوكرانيا، معتبرا أن الحلف يجب أن يمتلك القدرة على التعامل مع تحديات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والمنطقة الأوروبية الأطلسية في الوقت نفسه.
من جهته، قال المندوب الأميركي لدى الناتو ماثيو ويتكر إن الولايات المتحدة باتت تنظر بصورة أكثر واقعية إلى قدرتها على خوض نزاعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم، مما يزيد الحاجة إلى وجود حلفاء أكثر قدرة على تحمل المسؤوليات العسكرية.
وأوضح أن المشكلة خلال السنوات الماضية لم تكن في استعداد الحلفاء الأوروبيين للمشاركة، وإنما في القدرات التي يمتلكونها، بعد سنوات من انخفاض الاستثمار في الدفاع.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تعمل مع الحلف على تعزيز القدرات الأوروبية، بما يشمل الدبابات والسفن والقوات والدفاع الجوي وطائرات “F-35″، بهدف امتلاك الأوروبيين إمكانات أكبر للردع والدفاع.
وقال ويتكر إن ترتيب أولويات الإدارة الأميركية يبدأ بالداخل الأميركي، ثم نصف الكرة الغربي، ثم المحيط الهادئ، ثم أوروبا.
وأضاف أن هذا الترتيب “لا يعني التخلي عن أوروبا”، وإنما مطالبة الدول الأوروبية بأن تتقدم وتتحمل مسؤولية أكبر بينما تعيد الولايات المتحدة توزيع اهتمامها ومواردها.
وأوضح أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة، في حال وقوع صراع واسع، على توجيه جميع قدراتها العسكرية إلى أوروبا، مشيرا إلى أن بعض الأصول العسكرية الأميركية ستكون مطلوبة في مناطق أخرى.
وقال إن تعزيز القدرات الأوروبية سيتيح للولايات المتحدة حرية أكبر في توجيه قوتها العسكرية إلى الأماكن التي تحتاج إليها، فيما يشكل الجنود الأوروبيون الجزء الأكبر من أي قوة تتعامل مع التحديات داخل القارة.
وربط روتّه وويتكر هذه التحولات بالقرار الذي اتخذه قادة الناتو برفع الإنفاق المتعلق بالدفاع إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا خلال فترة تصل إلى عشر سنوات.
وأوضح روتّه أن الهدف يستند إلى تقييم للقدرات التي يحتاج إليها كل عضو في حال تفعيل المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، مشيرا إلى أن الحسابات أظهرت الحاجة إلى إنفاق يتراوح حول 3.5% على الدفاع الأساسي، إضافة إلى 1.5% على مجالات مرتبطة بالدفاع مثل البنية التحتية والمرونة والقاعدة الصناعية.
وقال إن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وكندا أضافوا بالفعل أكثر من 250 مليار دولار إلى استثماراتهم الدفاعية.
وأشار ويتكر إلى أن بعض الدول تتحرك بوتيرة أسرع من الإطار الزمني المحدد بعشر سنوات، متحدثا عن تحركات في ألمانيا وبولندا ودول البلطيق، فيما لا تزال دول أخرى تتحرك بوتيرة أبطأ.
وحذر من أن الخصوم قد لا يمنحون الحلف فترة عشر سنوات كاملة لاستكمال هذه القدرات، مما يفرض تسريع الاستعدادات العسكرية والمدنية.
وقال إن التحديات المستقبلية لا تقتصر على الدبابات والطائرات، بل تشمل أيضا تعزيز قدرة المجتمعات والبنية التحتية على الصمود، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والحرب الهجينة والقاعدة الصناعية الدفاعية.
وأضاف أن “الطلقة الأولى” في أي صراع عالمي مستقبلي قد لا تتمثل في عبور قوات للحدود، وإنما في هجمات على البنية التحتية والتكنولوجيا وفي أشكال متقدمة من الحرب الهجينة.
وفي السياق ذاته، قال روتّه إن الناتو يتعمد عدم تحديد الظروف الدقيقة التي يمكن عندها تفعيل المادة الخامسة ردا على هجوم هجين، حتى لا يمنح خصوم الحلف معلومات تساعدهم على تحديد حدود الرد.
وأضاف أن الناتو يمتلك خيارات متعددة للرد، قد تكون متماثلة أو غير متماثلة، مشيرا إلى أن قطع كابل بحري بين فنلندا وإستونيا قاد إلى إطلاق عملية “Baltic Sentry”.
كما وضع روتّه وويتكر الصناعة الدفاعية في صلب التحول الجاري داخل الحلف، مؤكدين الحاجة إلى زيادة الإنتاج العسكري في ظل تجاوز الطلب للعرض على جانبي المحيط الأطلسي.
واختصر روتّه أولوياته وويتكر داخل الحلف بثلاثة ملفات هي “المال، الصناعة، أوكرانيا”، مشيرا إلى أن تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية وزيادة الإنتاج واستمرار دعم أوكرانيا تشكل محاور رئيسية لعمل الناتو في المرحلة الحالية.