لندن: كتب المحرر السياسي :
أعاد القرار الصادر عن قاضٍ فدرالي أميركي بإلزام البيت الأبيض بإعادة اعتماد صحفيي وسائل إعلامية أميركية فتح نقاشاً يتجاوز حدود الخلاف بين دونالد ترامب ووسائل الإعلام. فالقضية، في جوهرها، تتعلق بسؤال بسيط وخطير في آن واحد: هل تستطيع السلطة أن تعاقب وسيلة إعلامية لأنها لا تحب ما تنشره؟
أهمية مثل هذه القضايا لا تكمن فقط في إعادة صحفيين إلى مؤسسة رسمية، وإنما في وجود مسار مؤسسي يمكن أن يراجع قرار السلطة التنفيذية ويضع له حدوداً عندما يمس حرية الصحافة.
وهنا يصبح السؤال العربي مشروعاً: ماذا يحدث عندما تمنح جهة إدارية أو مؤسسة أمنية رسمية لنفسها سلطة تقرير من يستحق أن يكون مؤسسة إعلامية مرخصة، ومن لا يستحق؟ وماذا يحدث عندما يُرفض ترخيص موقع أو مؤسسة إعلامية من دون إبداء أسباب واضحة، ثم يتجاوز الأمر ذلك إلى حجب الموقع داخل الدولة، حتى لو كانت المؤسسة قد أسست أو رخصت نشاطها في الخارج؟
المشكلة في هذه الحالة لا تعود مجرد خلاف على «ترخيص». فالترخيص يمكن أن يتحول إلى أداة لإدارة المجال العام: تسمح السلطة لمن تريد، وتؤخر من تريد، وتحجب من تريد، بينما يبقى صاحب المؤسسة أمام قرار لا يعرف أسبابه، ولا يجد بالضرورة طريقاً قضائياً فعالاً وسريعاً لمراجعته.
وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية: هل الترخيص إجراء تنظيمي، أم يمكن أن يتحول إلى أداة لمنح السلطة حق اختيار من يحق له أن يتحدث إلى المجتمع؟
فالسلطة في أي دولة تحتاج إلى تنظيم الإعلام، وقد تكون هناك أسباب قانونية حقيقية لرفض ترخيص مؤسسة أو تقييد محتوى معين، خصوصاً في مسائل الأمن أو التحريض أو انتهاك حقوق الآخرين. لكن دولة القانون تضع شروطاً لهذه السلطة: قواعد معلنة، معايير واضحة، قرار مسبب، حق في الاعتراض، ومراجعة قضائية مستقلة.
أما الخطر فيبدأ عندما يصبح «عدم الترخيص» قراراً بلا تفسير، ويصبح «الحجب» إجراءً بلا شفافية، ويصبح الوصول إلى القضاء غير قادر على توفير حماية سريعة وفعالة. عندها لا تعود المسألة مجرد تنظيم قطاع الإعلام، بل تصبح أقرب إلى إدارة من يستطيع أن يتكلم ومن لا يستطيع.
والأخطر أن الإعلام الرقمي غيّر المعادلة. فالمؤسسة الإعلامية لم تعد تحتاج إلى مطبعة أو مبنى أو استوديو داخل البلد كي تصل إلى الجمهور. تستطيع أن تسجل نشاطها في دولة أخرى، وتعمل صحفياً من عواصم مختلفة، وتبث محتواها عبر الإنترنت. لذلك فإن رفض الترخيص المحلي لم يعد بالضرورة كافياً لإسكاتها؛ وهنا يظهر سلاح الحجب.
لكن الحجب لا يلغي وجود المؤسسة، بل ينقل المعركة من حرية النشر إلى حرية الوصول إلى المعلومات. المواطن هو الذي يصبح في النهاية الطرف المتضرر، لأنه لا يُمنع فقط من قراءة مؤسسة بعينها، وإنما يُحرم من حق المقارنة بين مصادر مختلفة للأخبار والتحليلات.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه مثل هذه القضايا ليس: «هل ستصدر المحاكم العربية أحكاماً مشابهة؟» فلكل دولة نظامها الدستوري والقضائي. السؤال الأعمق هو:
هل توجد في النظام القانوني ضمانات مؤسسية تجعل قرار السلطة قابلاً للطعن والمراجعة عندما تستخدم الترخيص أو الحجب لتقييد وسيلة إعلام بسبب مضمونها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن قرار المنع، مهما كان مصدره، ليس نهاية الطريق.
أما إذا كان القرار الإداري نهائياً عملياً، ولا يُعرف سببه، ولا يستطيع المتضرر الوصول إلى قضاء مستقل وفعال، فإن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الترخيص؛ بل في غياب المساءلة عن سبب غيابه.
وهنا تكمن قيمة الأحكام القضائية التي تضع حدوداً أمام السلطة: ليس لأنها تثبت أن أي نظام سياسي خالٍ من الصراع بين السلطة والصحافة، بل لأنها تذكّر بأن حرية الصحافة لا تُقاس فقط بما تقوله القوانين، وإنما أيضاً بما يحدث عندما تصطدم الصحافة بالسلطة.
فحرية الإعلام الحقيقية تبدأ عندما تستطيع مؤسسة إعلامية أن تسأل السلطة الأسئلة الصعبة، وتنتهي فقط إذا استطاعت السلطة، دون تفسير أو مراجعة، أن تمنع المؤسسة من طرحها.